غاليا الصغيرة

انشغلت فترة بالتراث الغنائي لشعب القوزاق، أغانيهم الحربية والشعبية، وهم أحد شعوب السلافيين، ممن عاشوا في السهوب الجنوبية بين أوروبا وروسيا، كفلّاحين ومحاربين، وهم متفرقون الآن بين روسيا وأوكرانيا وكازاخستان، وقد كتب عنهم تولستوي كتاباً باسمهم “القوزاق”، كما كتب عن أعدائهم الذين استخدمت القيصرية الروسية القوزاق لقمع ثورتهم في القرن التاسع عشر، وهم القوقاز شعب الجبال المسلمين المحاربين في روايته “حجي مراد”.

والطريف أن الشاه الإيراني ناصر الدين قاجار في أواخر القرن التاسع عشر، أسس “لواء القوزاق” ليكونوا حرسه الخاص.

كان مدخلي الأول إليهم وأنا أبحث عن الأغاني الحربية للاتحاد السوفييتي، فعثرت على عدة أغانٍ حربية مهيبة للقوزاق، أداء جماعي متقن، وروح قومية يقظة، وثقافة شعبية بِكْر، وما يبدو حنيناً صعباً لحياة السهوب والمعارك القديمة، خاصة تلك التي أدتها فرقة من قوزاق أوكرانيا اسمها “kuban kossack choir”، ومغنٍ شاب ظاهر العروق والغضب كأنه ثوري عتيق خرج من قبره لينادي في أمته بالمجد المنسيّ اسمه فيكتور ساروكين، وإحدى أشهر أغانيهم الحربية “حين كنّا في الحرب when we were at war”.

إحدى الأغاني الشعبية المرحة عندهم، والمتوارثة من أيام الأجداد هي Galya Molodaya، أو غاليا الصغيرة (molodaya لاحقة روسية لما يشبه تدليع الصغار عندنا)، سمعتُها أكثر من مرة بضحكاتهم ورقصهم المرح وهم يغنونها، قبل أن أبحث عن ترجمتها، وقد بحثت عن أكثر من ترجمة ومن أكثر من موقع لأتأكد من النتيجة، وما زلت أظن أن هناك خطأ أو نقصاً أو أمراً غير مفهوم في الكلام.

تقول الأغنية، وهنا ترجمة للقصة لا للكلمات الدقيقة:

القوزاق الأشقياء ذهبوا إلى غاليا الصغيرة، وأقنعوها أن تأتي معهم للغابة كي يلعبوا،
غاليا الصغيرة غاليا المسكينة (تتكرر هذه اللاحقة بعد كل مقطع)
ذهبت غاليا معهم إلى الغابة والقوزاق يضحكون
غاليا الصغيرة غاليا المسكينة
ربطها القوزاق إلى شجرة الصنوبر بالحبال وشدّوا عليها الوثاق بينما يضحكون
غاليا الصغيرة غاليا المسكينة
غاليا كانت تصرخ وتطلب النجدة بينما القوزاق الأشقياء يضحكون
غاليا الصغيرة غاليا المسكينة
أحرق القوزاق أشجار الغابة وتصاعد الدخان حول غاليا التي تصرخ وتستنجد بينما القوزاق يضحكون
غاليا الصغيرة غاليا المسكينة
من بعيد في القرية رأى الأهالي أعمدة النار من الغابة ولم يجدوا غاليا الصغيرة وسمعوا صوتاً يستنجد في البعيد
غاليا الصغيرة غاليا المسكينة
حملوا قناديلهم يبحثون عن غاليا ويشاهدون النار ولكن لم يكن ثمة طرق للغابة في هذا الليل
غاليا الصغيرة غاليا المسكينة.

وتنتهي القصة هكذا، غاليا مربوطة لشجرة صنوبر وحيدة في الليل وسط النار والغابات التي يأكلها الحريق.
وهذا أشبه بقصة رعب وسادية غريبة، أو بقصة دراما محزنة، بينما تُغنى بمرح كإحدى أغاني الأطفال والأعراس وأوقات الضحك.

ما الشاهد من هذا ؟
اختلاف السياقات الثقافية، الخصوصيات الحضارية، العقل الاجتماعي للغة، ضرورة البحث قبل الحكم، قضية تحتاج للدراسة (…الخ)، كلّ هذا صحيح، ولكن منذ قرأت الترجمة شعرت أنني كنت أحرق غاليا الصغيرة معهم.

في كلّ فرحٍ ثمة حريقٌ ما، هذا زمن الحرب.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s