المثنى الذي سلبوه منا

قبل أيام تم تحرير الدكتور يعقوب العمار، رئيس مجلس محافظة درعا الحرة، وأحد وجوه ثورتنا، من معتقلات حركة المثنى السرية، حيث وُجد عشرات المعتقلين سواه.

العملية التي قام بها جيش اليرموك مشكوراً، والذي أثبت أنه يحمل وعياً ومشروعاً ثورياً وطنياً والتزاماً أخلاقياً، في مواجهة حملات المناهجة الغلاة، او محاولات الاستتباع للدول، أو خطة تقويض المؤسسات الثورية سواء مجلس المحافظة أو دار العدل، وكلاهما من أهم إنجازات الثورة كمشروع وسلطة بديلة، في ظل فوضى الإدارة والمرجعيات العامة في المناطق المحررة.

مرة أخرى يظهر هذا الحدث المهم، والذي وضع ثورة حوران في توتر داخلي من جديد، الأثر الهدام لفكر السلفية الجهادية، أساس الغلو مهما حاول البعض تبرئته من جناية داعش وأشباهها.

حركة المثنى نشأت في البداية من مجموعة أغلبهم كانوا عناصر في جبهة النصرة نفسها، لاعتراضهم على تنفيذ عمليات تفجيرية ضمن المدنيين حسب فتوى التترس الدموية، وهو ما اعتبروه غلواً واستباحة للدماء المعصومة، لتؤسس شكلاً من الجهادية المحلية التي تقع بين أحرار الشام وجبهة النصرة، وجمعت مقاتلين من أفضل ثوار درعا البلد وريف درعا الغربي والشرقي بقيادة عامر المسالمة (أبو أيوب) قبل استشهاده رحمه الله، وشاركت في معارك مفصلية وبطولية في حوران، الشيخ سعد وسرية جملة وبصرى الشام والشيخ مسكين وغيرها.

ولكنها مع الوقت ومع تمدد خطاب السلفية الجهادية في سوريا، بتسويغ من بعض الفصائل الثورية “الإسلامية” للأسف، ومع دخول شرعيين متأثرين بهذا الفكر (أردنيين خاصة)، تبنت فكراً يتجاوز خطاب جبهة النصرة المعلن من حيث الغلو أو التكفير أو التخوين، وليس بعيداً بيان الحركة الذي اعتبر أن بيعة داعش واجبة في مناطق سيطرتها، بعدما كان مطلوباً منهم البراءة من هذا الفكر ومن التنظيم المجرم، عدا عن انسحابهم من دار العدل التي أقامها خيرة الفقهاء والقضاة في حوران وبمرجعية الشريعة الإسلامية، بحجة أنها لا تقيم شرع الله، هذا على إثر قضية شهداء اليرموك.

هؤلاء الشباب الذين خرجوا لإسقاط النظام المجرم، والذين حملوا مشاعر غضب مزلزل تجاه الظلم، وجذوة جهادية صادقة، وتفانياً في قتال النظام، أصبحوا بفعل هذا الفكر أدوات لبعض المرضى النفسيين والمحرّفين لدين الله من منظري السلفية الجهادية، ليستخدموا ضد ثورتهم نفسها.

لا شك أن كثيراً من عناصر الحركة المرابطين الآن في الشيخ مسكين أو غيرها، لا يكون لهم علاقة أبداً بهذه الأفعال التي قام بها أمنيو الحركة وشرعيوها، سواء سرقة مستودعات سلاح موجهة نحو داريا المحاصرة، أو اختطاف الدكتور يعقوب العمار، أو عمليات اغتيال لم نعرفها بعد ربما، أو التبرير وربما التواصل مع تنظيم داعش المجرم، ولا ينبغي أن نأخذ هؤلاء بجريرة من تبنى أفكار داعش وسلوكها، بل هم ضحايا هذا الفكر المجرم، وتوبتهم من الغلو وعودتهم لخط الثورة والإسلام غير الملوث بالغلو والدماء المعصومة أحب إلينا.

إن مطالبة الحركة بالخضوع لدار العدل، وتسليم الأمنيين المتورطين بهذه الجرائم، والشرعيين المروجين للتكفير واستباحة الدماء، والتواصل مع شباب الحركة ممن نحسب فيهم الخير واتباع الحق، هو الواجب حتى لا تضيع ثورة حوران في اقتتال داخلي بين أبناء البلد والثورة الواحدة.

ومرة أخرى علينا أن نتذكر واجبنا في محاربة الغلو، والذي ينبغي أن يتوجه نحو الأسس، نحو كتابات أبي محمد المقدسي وأبي قتادة وأمثالهم، ونحو التجارب الخادعة والتي تخفي ببريق الإصدارات الحماسية دمويتها وجرائمها بحق الجهاد والأمة، مثل دولة العراق الإسلامية أو حركة الشباب المجاهدين الصومالية.

ومرة أخرى، فإن هذه المحاربة ينبغي أن تكون بمراجعة شاملة، وتصحيح مسار حقيقي، لا بشعارات جميلة فقط، وهذا لا يتم دون عودة الجميع (خاصة من سوغوا وأتاحوا لهذا الفكر التمدد داخل الثورة والبلد) إلى مسمى الجيش الحر وإلى علم الثورة السورية، فالترقيع لا يجدي، والتاريخ لا ينتظر، وسيحاسِب.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s