المسؤولية في المجال العام

ثمة ملاحظة سديدة لعلي عزت بيغوفيتش دونها ضمن ملاحظات السجن (في كتاب: هروبي إلى الحرية، وقد صدرت له أخيراً ترجمة أنيقة لمحمد عبد الرؤوف عن دار مدارات)، عن الخطاب الصاعد غربياً في مراعاة المجرم وحقوقه وما الذي أدى به إلى الجريمة وضرورة التخفيف عنه وقبح العقوبات الجنائية، حيث يتم تحويل المجرم إلى الضحية، وقد يكون كل ذلك صحيحاً، ولكن تقرير العقوبة على المجرم في الإسلام أو القوانين عامة هو اعتراف بمسؤوليته وكرامته، وهو في ذاته تقدير له ككائن إنساني مسؤول عن أفعاله، وليس مجرد موضوع لمسؤولية الآخرين وشفقتهم، فنفي العقاب هو نفي لمسؤولية الإنسان عن أفعاله.

كان هذا أيضاً نتيجة الحوارات الذاتية الطويلة لبطل الجريمة والعقاب “راسكولنيكوف”، والذي انتهى به الحال إلى أن يسلم نفسه للشرطة في النهاية، وهو محور الحوارات الطويلة والعظيمة في رواية ديستويفسكي الأخرى “الإخوة كارامازوف”.

الخطاب السائد عن المرأة لتمكينها يشبه ذلك في كونه يجردها من المسؤولية، ويطالبنا بمعاملتها دوماً كطفل يجب أن نلاطفه ونراضيه دوماً كما أشار الصديق العزيز همام يحيى، ولكن هذا الخطاب نفسه يمكن أن نجد له تمظهرات أخرى أكثر خشونة في التعامل مع نقد الحركات الإسلامية ثم الجهادية.

إن من يدخل المجال العام ويتحمل مسؤولية تدبير معيشة الناس أو دولتهم أو حتى أرواحهم نفسها، ينبغي أن يكون تعدى مرحلة القصور النفسي والحاجة للمداعبة عند التواصل معه، وهذا كما ينطبق على الأفراد ينطبق على التنظيمات والأحزاب والتيارات، حيث يطغى خطاب ضد نقد حركة ما لأنها جهادية أو “إسلامية”، أو يجب تقديمه بتغزل وتلطف طويل ثم الاعتذار لانتقاد شخص أو فعل ما سيء، رغم أن الخلل قد يكون خلل النظام والمنهج كله، والشخص أداة فيه كما الفعل مظهر منه.

اعتبر المجتمع الروماني القديم -كما لاحظت حنه أرندت- أن حرية الرجل مرهونة بتفرغه للشأن العام، وكان ثمة احتقار للحياة الخاصة ومن ينشغل بها (المرأة والعبيد)، أي من يخضع لعبء الضرورة وليس متفرغاً للسياسة والمجال العام، وهذا التقسيم اقتصادي بقدر ما هو سياسي، ولكنه انتهى

في عالمنا الحديث، فإن الحرية متاحة في المجال الخاص ولا يلاحقك هناك أحد سوى من أدخلته حيزك الخاص، أما إن أخذت مسؤولية في المجال العام فأنت مقيد بآراء العموم وصراعاته، وليس منطقياً أن تصدّر نفسك لمكانة التحكم باقتصاد الناس وفكرهم وأرواحهم، ثم تستكثر أن ينتقدوك، أو تطلب منهم أن يلاطفوك عند النقد بينما تمسك أعناقهم، كيف يتخلص من بحته صوت مخنوق ؟!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s