ملاحظات على مجلس نساء ديمستورا

– إن المرأة امرأة في المجال الخاص، في مجال الحميمي والجمالي والأسري، ومراعاة الأنوثة هنا هو واجبنا تجاه مراعاة الأنوثة لنا، لا في حفظها للنوع فقط، وإنما في حفظ القيمة والحس بالمعنى والجمال وتوريث الثقافة -بمعناها الأعم- لهذا النوع، وإحدى نظريات نشوء القومية الرئيسة تتحدث عن هذا الجانب تحديداً، أن المرأة هي مستودع القومية لأنها من تورث الثقافة للأبناء وتكرّسها في الذاكرة.
ولكن حين تقرر المرأة أن تدخل المجال العام، بشروطه ومصطلحاته وأهدافه التي تنتمي لعالم الحداثة السياسية، فيجب أن تدخله بقوانينه التي تطالب هي نفسها بالمساواة داخلها، وهذا يقتضي ألا تدخله كامرأة وإنما كفاعل سياسي، تماماً كما تدخل مجال الطب كطالب الطب، وكما تدخل اختبار الرياضيات كأي تلميذ(ة) في الصف، أما أن تدخله كامرأة مدينية متعلمة علمانية من الطبقة العليا (أو الوسطى العليا) ثم تكون كل أهليتها ودعايتها السياسية ترك التمييز ضدها، فهذا ذاته اعتراف بالتمييز (الجندري حسب المصطلح الرائج)، وابتذال مظلومي في طلب الحقوق.

– ديمستورا يلعب، ويتجاوز مهمته كوسيط دولي، ويستخف بتكرار بواجب احترام الثورة وممثليها، وينحاز مرة أخرى لتقوية موقف النظام وإضعاف موقف الثورة وتشتيتها، أراد أن تحضر قوات سوريا الديمقراطية التي تقاتل بالتعاون مع نظام الأسد كطرف معارض، ثم رتّب ودعا وحده لأن يحضر وفد منظمات المجتمع المدني كطرف، والآن يرتب طبخة سريعة برعاية قوائم المنظمات (المجتمع المدني والسلم الأهلي…الخ) وحجوزات فنادق عنتاب واسطنبول لمجلس نسوي يطفو هكذا على السطح فجأة ليكون “المجلس الاستشاري للمرأة السورية” أي أنه يحوز ثلاث تناقضات معاً: صفة سياسية لتوليفة جنسية (نسوي)، صفة تمثيلية بلا أي قاعدة أفرزتها، صفة استشارية بلا شبه (ثقافي-سياسي) بالمجتمع الذي تزعم استشارته، هذا إن كانت هذه الفئة من نساء الماركات الأنيقة والحياد المزعوم يعرفن حقاً من هم نساء هذا المجتمع المنكوب.

– في محاولة المجتمع الدولي تقليم القضية السياسية التي حملتها الثورة السورية، تعامل معها بالطريقة القديمة المكررة منذ اختراع الامتيازات زمن الدولة العثمانية، وذلك باصطناع قضايا موازية لأقليات يعاد تعريفها واختراعها حسب التوظيف السياسي.
انتقل الإشكال منذ بداية الثورة من نظام طائفي ديكتاتوري متوحش وعار على الإنسانية، إلى قضية أمان الأقليات من انتقام القتلى، ثم التركيز على ضمانات للعلويين الذين مارست وما زالت العصابات الإجرامية المحتضَنة والمغذّاة من قبل حواضنهم المجتمعية مجازر طائفية وحشية على نطاق واسع، دون أن تُمارس ظاهرة انتقام جماعي أو إبادة ممنهجة بحقهم، وهي حالة نادرة في أي صراع داخلي يتخذ سمة هوياتية، ثم انتقلت القضية بالتعاون مع داعش إلى حقوق المسيحيين، ثم قضية روج آفا التي يكتشف (مركز دراسات صالح مسلم) شيئاً فشيئاً مناطق جديدة منها كانت كردية قبل أن يحتلها العرب القادمون من الصحراء (ولا أريد الإفاضة في النموذج القريب الذي يستلهم منه الـ pyd سردية استعادة الأرض التاريخية هذه)، ثم كمحاولة مضادة بدأ التلويح لقضية تركمانية في سوريا رغم أن التركمان السوريين في غالبهم لم يكونوا قومية منفصلة بقدر ما كانوا فئة اجتماعية وعائلية تعيش باندماج عضوي وعفوي في المجتمع السوري، طبعاً رافق هذا موجة من تسلح الأقليات في سوريا والعراق (بالتعاون مع داعش الذي يُغرم بالموضات الدولية وتأجيج الهوياتية)، ثم تخترع قضية المرأة ونسبة الـ 30% التهريجية الوصائية هذه، ويصبح لدينا بعدها قضية للشواذ، ثم قضية للبدناء أو لمن لا يحبون المنسف (بالنسبة للأخيرة فأنا مع اختراع رابطة أقلوية لهؤلاء وعزلهم في غيتوهات لخطرهم على ثقافة ورجولة الجيل)
وبالمناسبة فإن أحزاب الإسلام السياسي في كل البلاد التي نشطت فيها بلا استثناء حظيت وحدها بأعلى نسبة من مشاركة المرأة في النشاط السياسي، بين أحزاب العلمانيين والليبراليين والقوميين.

– عودة للمرأة ( طبعاً هذا هو العود الأبدي للإنسان على غير تعريف نيتشه)، فإن مطالبة المرأة لنفسها بمعاملة خاصة لا يعني بالضرورة “الدعم” أو “التمكين” أو “التنمية”، وإنما هو مظهر آخر لتهميشها والنظرة الدونية نحوها.
أتفهم أن أقول لمضطرب نفسياً يريد الانتحار -من باب التشجيع- إنه ذو كاريزما مؤثرة ويحبه الناس وسيغير التاريخ، ولكن لا أفهم لماذا هناك “أدب نسوي” ولماذا بعد ذلك نطالب بدعم الأدب النسوي هذا بغض النظر عن جودته الأدبية، شخصياً أكثر ما قرأته ضمن هذا التصنيف كان هراء، لأننا نتحدث هنا عن مجال له معياريته، وعالم المعيارية محايد جنسياً، إلى حين خلق عبقرية جمالية ما لمعاييرها، ويمكن هنا الدخول في النقاش القديم المتجدد حول عالم الأمومية الأول والمؤامرة الذكورية التي صنعت تاريخياً الشروط الاجتماعية الاقتصادية لتهميش المرأة، ولا أنفي هذا التهميش، ولكن محاربته لا تكون بتأكيده.

– إن مسألة المرأة ومشاركتها بالمجال العام أو طبيعة سلوكها في المجال الخاص، مسألة ذات سياق ثقافي اجتماعي نسبي، مع أساس جنساني طبيعي ومؤثر ولكنه غير مطلق، وهذا ينطبق على دعاية الجهاديين (وقسم معتبر من السلفيين) التي تطابق ما بين الثقافة النجدية والدين وتطالب شتى المجتمعات بذات “سياسة عزل النساء” فيها، وعلى دعاية النيوليبرالية في اعتبار مشاركة المرأة أو الرجل نفسه في السياسة والمجال العام (بل حتى شكل هذه المشاركة) بمثابة المبدأ السياسي الحتمي على اختلاف المجتمعات، وكلاهما ميتافيزيقيا تتجاوز الواقع والإنسان المعني بها واختلافاته الثقافية والمجتمعية غير اليسيرة.
وهذا يعني أنه لا يوجد موقف قيمي حتمي وعابر للمجتمعات والأفراد بالنسبة لمشاركة المرأة بالسياسة أو المجال العام، ولا من مشاركة الرجل أيضاً، ولكن من يقرر المشاركة فعليه أن يحترم أدوات هذا المجال، وأن يدخل بأهليته الكاملة، لا باستجداء تمييزه على أساس جنسي كي نثبت عدم التمييز على أساس جنسي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s