في خطر مذهبة الخلاف بين الجيش والفيلق

لعلّ ما هو أخطر من الاحتقان العابر -كما نرجو- بين فيلق الرحمن وجيش الإسلام، هو ما يقوم به فئة من ناطقي الفريقين وأنصارهم من ترسيخ الخلاف المذهبي كسبب للخصومة ما بينهما، سواء من يشنّع على الجيش بتوصيف الوهابية أو من يطعن بفكر وتيار مشايخ الأجناد (الذين انتقلوا للفيلق) بكونهم تلامذة البوطي أو مبتدعة، ولا يعني هذا تجاهل ان الاختلاف المذهبي حقاً كان العلة الأولى للافتراق ما بينهما، ولكن مهمتنا تدبر اختلافاتنا لا تقبل كونها أسباباً مبررة للعداوة.

ولعلّ الثورات العربية أظهرتْ لنا عقم التفسيرات الأيديولوجية والثقافوية الأحادية والمبالغ بها للمواقف السياسية والسلوكيات العملية، وهذا لا ينفي أهمية هذا العامل حتى لو أسيء استخدامه، فضلاً عن شيطنة هذا المختلف وتفسير تاريخه بأثر رجعي.

فالسلفيون أيدوا أنظمة ديكتاتورية، والسلفيون أيضاً ثاروا وقاتلوا ضد أنظمة ديكتاتورية، والمذهبيون (وأعني بهم عموم المدرسة التقليدية والإسلاميين غير السلفيين) أيدوا أنظمة ديكتاتورية، والمذهبيون ثاروا وقاتلوا ضد أنظمة ديكتاتورية.

وثلاثة أرباع مشايخ سوريا والثورة كانوا من تلامذة البوطي، وهذا لا يعني شيئاً لا سلباً ولا إيجاباً، عدا عن أن تياره الفكري يمثل الطيف الأعمّ -شئنا أم أبينا- من تدين بلاد الشام ومصر منذ عشرة قرون (منذ الإمام الغزالي تحديداً)، ولو راجعنا مواقف العلماء من الحكام ومواقف مشايخهم وتلامذتهم لنحكم عليهم، لما بقي شيء اسمه الفقه أساساً.

لقد كانت المؤسسة الدينية في سوريا، كما هي في مصر أو السعودية أو أي بلد عربي آخر، مرتبطة بالمؤسسة السلطوية، ومرهونة بقراراتها، وشكلت الثورة فرصة لاختبار أخلاقية هذه المؤسسة التي انهارت طبعاً، ولكن هذا لا يعني أن بديلها الأخلاقي والسياسي يجب أن يكون بديلها الفقهي والعقدي أيضاً، وأنه نكاية بمشايخ مذهبيين أو سلفييين أيدوا جريمة أو طاغية، فيجب أن نبدل مذاهبنا وتدين شعوبنا، خاصة أن سبب مواقفهم اللا أخلاقية لم يكن يعود لمدرستهم الفقهية، وإن عاد أحياناً لآراء فيها، إنما هي تبريرات يضعونها.

إن السلفية كانت وستبقى، والمدرسة الشامية بمذهبيتها وأشعريتها وتصوفها الوسطي كانت وستبقى أيضاً، والإسلام السياسي أو الجهادي كذلك، ولن تتمكن دعوة ولا قوة من إنهاء طرف، ولن يستفيد فصيل من مماهاة قضيته الثورية بنشر هويته الفكرية إلا أنه يضع نفسه بمواجهة فصائل ومجتمعات محلية وشعوب بأكملها، والناس يؤيدونك لأن قضيتهم معك ضد النظام واحدة، وليسوا مضطرين للإعجاب بك وتشجيعك على قضية مذهبية لا تعنيهم.

وقد سبق قول الله جلّ اسمُه:
{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}

وينبغي أن تكون السنوات الخمس قد علمتنا عدمية طموح أي فصيل لاحتكار مشروع الثورة وتمثيل الدين، وأن الحلّ داخل الثورة هو بإدارة اختلافاتنا ضمن مبادئ متوافق عليها ومؤسسات مرجعية، أما حسم الخلاف فهو محصور بأعدائنا الجذريين.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s