تحولات خطاب تنظيم القاعدة في سوريا

on

مركز عمران للدراسات

نسخة pdf

مقدمة
تعتبر تجربة تنظيم القاعدة في سورية، من خلال فرعه المتمثل بجبهة النصرة، التجربة الأهمّ والأكثر فرادة ضمن تجارب القاعدة في البلدان الأخرى، لتوفرها على عدد وعتاد ومساحة نفوذ وعلاقات بالمجتمع المحلي أكبر مما حظيت به فروع القاعدة الأخرى، عدا عن التحولات الحركية والخطابية التي مرّت بها.

وإن كانت جبهة النصرة تأسست في البداية على يد جهاديين أتوا من العراق (من ضمنهم الجولاني نفسه) بدعم من “دولة العراق الإسلامية”، وأنشأوا قاعدة محلية بنسبة متزايدة من المهاجرين متعددي الميول والمرجعيات ومستويات التشدد ما بين تنظيم القاعدة ودولة العراق أو الجهادية المحلية الأقل أدلجة، فإن الشقاق الكبير الذي حصل في 9 نيسان 2013م، وتوجه جبهة النصرة إلى شرعية تمثيل تنظيم القاعدة الأم، وثّق من التقارب وتزايد التماهي ما بين خطاب النصرة والتنظيم الأم، والذي تفرضه الحاجة المشتركة قبل التبعية التنظيمية، وهو ما ظهر سريعاً من خلال كلمات قادة تنظيم القاعدة وجبهة النصرة على السواء، وتزايد وصول قياديين من الأفغان العرب إلى سورية للتأثير الأكبر في النصرة، وإن كانت الجبهة حافظت إلى حد ما على استقلاليتها وخصوصيتها التنظيمية.

ومن حيث الأهمية في تمتين هذه العلاقة، لا تقل تأثيراً التحولاتُ والتحديات التي مرّ بها تنظيم القاعدة الأم، سواء في مواجهته للتحالف الدولي والطائرات بدون طيار، أو في مواجهة تنظيم داعش الذي نافسه على عرش الجهاد المعولم في الإعلام والسياسية العالمية وفي معظم مناطق تواجده.

ترصد هذه الورقة تحولات خطاب تنظيم القاعدة في سورية، على مستوى القيادة الأم أو جبهة النصرة وأنصارهم، على مدى الأشهر الماضية، في محاولة لقياس التغيير الذي يعبّر عنه هذا الخطاب، إن كان مرحلياً أو استراتيجياً أو براغماتياً محضاً.

أولاً: من أحادية الأيديولوجي إلى ازدواجية السياسي

مرّ خطاب جبهة النصرة منذ نشأته في سورية بمراحل من التطور والتعدد والتحولات. ولم تكن بيانات جبهة النصرة الأولى تذكر تنظيم القاعدة، وإنما تكتفي بالتوقيع باسم “من إخوانكم مجاهدي الشام في ساحات الجهاد”، إلى أن أعلن الجولاني بيعته لأيمن الظواهري، وركّزت جبهة النصرة بعدها على طباعة رايات باسم “تنظيم القاعدة في بلاد الشام”، كما أصبح التأكيد على الانتماء لتنظيم القاعدة هو الرأسمال الرمزي المعتبر للنصرة في مواجهة خصومها، وإظهار التفوق عليهم في الشرعية الجهادية والدينية.

وليس المقصود بالخطاب هنا البيانات المكتوبة، بقدر ما هو مجمل المنتج الرمزي الذي تعبّر به الحركة عن نفسها، سواء بالكتابات الرسمية أو كتابات القادة والمنظّرين أو الأنصار، وكذلك المنتج الصوتي والمرئي الذي يقدّم أيديولوجية التنظيم وأهدافه ورسائله لأنصاره وخصومه وللفضاء العام.

ومع الإقرار بضرورة دراسة تطور خطاب التنظيم في سورية منذ نشأته، إلا أن هذه الورقة تناقش تحولات خطاب التنظيم (سواء القاعدة الأم أو جبهة النصرة) منذ مؤتمر الرياض (كانون أول 2015م)، وتزعم الورقة أنها مرحلة نضج لخطاب التنظيم كحركة سياسية، وقدرته على إدارة معركته الإعلامية، بما حملت هذه المرحلة من ازدواجية بين الخطاب والخطة، مقارنة بما حملته المراحل السابقة من تعددية في خطاب التنظيم نفسه تصل حد التناقض والاصطدام.

ولا شكّ أن الخلاف ما بين تنظيم (داعش) وجبهة النصرة في (9/4/2013م)، فجّر الخلاف الأكبر والأكثر دموية في تاريخ التيار الجهادي العالمي، ولكن حرب السيطرة على المنطقة الشرقية-التي خاضها تنظيم داعش (شباط-تموز 2014م) في مواجهة الفصائل الثورية وفرع جبهة النصرة في دير الزور بقيادة “أبو مارية القحطاني” ذي الموقف الأكثر تشدداً ضد داعش- قد فجّرت خلافات المواقف داخل جبهة النصرة نفسها، حيث ظهرت انتقادات واسعة في صفوف منظرين وقياديين من جبهة النصرة ضد موقف القحطاني المتشدد من التنظيم وقتاله الطويل ضده حتى سقوط دير الزور بيد داعش. وقدّم بعض أمراء جبهة النصرة الحماية لتنظيم داعش في مناطقهم خلال حرب الفصائل الثورية الموسعة ضده (بداية 2014م) وحتى بعد ذلك (مثلاً: أبو مالك التلي، أمير جبهة النصرة في القلمون الشرقي)، في مقابل تلميح تيار القحطاني لتخاذل الفصائل عن نجدته، وتصاعد حدة موقفه من منظري التيار السلفي الجهادي الذين كانت مواقفهم ناعمة تجاه تنظيم داعش (مثلاً: أبو محمد المقدسي).

وقد ظهر خلاف التيارات داخل جبهة النصرة في مواقف مفصلية عديدة مثل ميثاق الشرف الثوري رغم الموقف الرسمي. وقد فاقم تحول جبهة النصرة بعد سقوط دير الزور لخطة إقامة الإمارة وإقصاء تيار القحطاني من ظهور هذه الخلافات إلى العلن، وهو الإقصاء الذي طال عزل بعض مؤسسي جبهة النصرة ممن كان لهم موقف أقلّ حدة تجاه الفصائل الثورية (مثلاً: صالح الحموي)، ولكن هذا الافتراق في المواقف تقلص في المرحلة الأخيرة، وبدا من الملحوظ أن مواقف جبهة النصرة ومنظّريها شبه موحدة بشكل كبير، إضافة إلى عودة القحطاني إلى اللجنة الشرعية ومجلس شورى جبهة النصرة (آذار 2016م).

في مقابل توحد الموقف المعلن للجماعة إعلامياً في مرحلة الدراسة (كانون أول 2015م -أيار 2016م)، فإن تكرار حوادث اصطدام جبهة النصرة مع الفصائل الثورية ومحاولات قمع المظاهرات الشعبية في الشمال السوري، رغم محاولات التقارب مع الخطاب الثوري الذي أظهره زعيم جبهة النصرة في كلماته الأخيرة، قد أكد وجود مسافة براغماتية ما بين الخطاب المعلن للجبهة وما بين الأيديولوجيا التعبوية وسلوكه واستراتيجيته على أرض الواقع.

وقد ظهرت هذه الازدواجية (أو الازدواجيات) في مراحل سابقة، ما بين الخطاب المعلن والأيديولوجيا التعبوية والخيارات العملية، خاصة في مرحلة “حملة الإمارة”، حيث أعلنت جبهة النصرة قتال عدة فصائل من الجيش الحر في ريف إدلب وحماة وحلب بدعوى أنها فصائل “مفسدة” أو “باغية”، بينا أشارت شهادات عدة إلى أن القتال تمّ بفتاوى تقول بـ “ردّة” هذه الفصائل.

ولذلك فإن تحليل خطاب تنظيم القاعدة في سورية، لا ينبغي أن يتعامل مع هذا الخطاب باعتباره يطابق الأيديولوجيا أو الاستراتيجية المتبعة للتنظيم، بقدر ما أن عليه فهم سياقاتها والبحث في مساحة الأيديولوجي والسياسي في أي من الخطابات المعلنة، وطبيعة الجمهور المقصود به (موضوع الخطاب) والرسائل الضمنية أو الصريحة التي يريد إيصالها.

ثانياً: هيمنة الخطاب الثوري

كان عام 2013م مرحلة هيمنة خطاب السلفية الجهادية في سورية، أو ما ندعوه “هيمنة الخطاب الأقصى” على الفضاء العام، والذي امتدّ حتى إلى المجاميع الثورية التي لا تصنف ضمن التيار السلفي الجهادي أو الجهادي المعولم.
وقد تراجع حضور هذا الخطاب وتأثيره على الحواضن الثورية مع الوقت، وبتأثير أحداث مفصلية، كان أهمّها:

•    الصدام مع تنظيم داعش بداية 2014م.
•    حملة الإمارة (تموز 2014-شباط 2015م) والتي قام فيها تنظيما جبهة النصرة وجند الأقصى بالهجوم على عدد من فصائل الجيش الحر في ريف حماة وإدلب وحلب، وتمكنت النصرة بذلك من الهيمنة المكانية على مناطق قرب الشريط الحدودي التركي، ومن إضعاف الجيش الحر في الشمال السوري، والحصول على مخزون أسلحة من مستودعات الأسلحة التي فككتها.
•    تصاعد حدة الخطاب التخويني والتكفيري من رموز الجبهة ضد فصائل الثورة، خاصة مقالات رضوان نموس (أبو فراس السوري)، ومقابلات الجولاني المرئية، خاصة في “المؤتمر الصحفي ” بعد مؤتمر الرياض، والذي قال فيه إنه لا وجود للجيش الحر.

استكمل الخطاب الثوري تصاعده واستعادَ هيمنته على الفضاء العام عبر مراحل عدة، كان أبرزها المعارك العنيفة ضد النظام منذ التدخل الروسي (30 أيلول 2015م)، والتي تحملت فصائل الجيش الحر العبء الأكبر فيها، خاصة في ريف حماة الشمالي والساحل، ثم تشكيل الهيئة العليا للمفاوضات بمشاركة الفصائل (10/12/2015م)، والتي تم تناولها في الخطاب الجهادي (مع الهدنة المؤقتة التي دخلتها الفصائل) كمظاهر للتنازل والمؤامرات والعمالة. وكان أبرز مظهر لهيمنة الخطاب الثوري هو موجة المظاهرات الشعبية الحاشدة في المناطق المحررة فيما بعد إقرار الهدنة وفي ذكرى الثورة السورية (آذار 2016). ورسّخت صدامات عدة هذه الهيمنة والتمايز ما بين الخطاب الثوري والجهادي، خاصة قمع مظاهرات مدينة إدلب والتعدي على علم الثورة السورية فيها (7/3/2016م)، والهجوم على الفرقة 13 في معرة النعمان (13/3/2016م).

وأظهرت هذه الأحداث الأخيرة، سواء في الفضاء الافتراضي أو في الشارع الشعبي، حجم الاحتقان المتراكم والذي يولد ردود أفعال متزايدة، ما بين أنصار الخطاب/المشروع الثوري والخطاب/المشروع الجهادي، مع وجود مساحة من التداخل بين التصنيفين لدى فئات من الفاعلين تتقلص مع زيادة الاستقطاب.

وبعد ردات الفعل الواسعة على مقابلة الجولاني التي قال فيها إنه “لا وجود للجيش الحر” والاحتقان الذي ظهر من خلال اصطدامات متتابعة كان أبرزها اصطدام جبهة النصرة خلال أسبوع واحد بالتمثيلات الثورية المدنية (مظاهرات إدلب) والعسكرية (الفرقة 13)، وخاصة بعد الاحتقان الكبير في تناول مؤتمر الرياض والخطوات التي انبثقت عنه (الهيئة العليا للتفاوض، المشاركة في جنيف، الهدنة المؤقتة…الخ)، طرأ تحول ظاهر في خطاب جبهة النصرة لاستدراك ما حصل.

ثالثاً: التنافس على الثورة

من جهةٍ أولى أسهم صعود الخطاب الثوري وتراجع شعبية وتأثير الخطاب الجهادي في تنامي شعبية فصائل الجيش السوري الحر، ودعم موقفها السياسي وتوسع قاعدتها الشعبية، بالتوازي مع الاصطفاف السياسي والعسكري لهذه الفصائل. ولكن من جهة مقابلة، فإن هذا التصاعد واجه -في الوقت نفسه-موجة من التشكيك بمبدئيته لدى الجهاديين إزاء موافقة الفصائل على الدخول في العملية السياسية واتفاق وقف الأعمال العدائية المؤقت، وهو ما كان فرصة للتيار الجهادي لتصعيد اتهاماته للفصائل. وبقدر ما أنّ توافق الفصائل على مرجعية سياسية وقدرتها على الاصطفاف السياسي والعسكري يحدّ من نفوذ جبهة النصرة، فإنّ أي عملية سياسية تعني بالضرورة عزل جبهة النصرة عن هذه الفصائل والمشروع الثوري، وهو ما تعتبره الجبهة أشبه بتهديد وجودي حيث يحتمل انتقال هذه الفصائل إلى القتال ضد جبهة النصرة ضمن اتفاقية دولية، حسب الخطاب الجهادي، خاصة مع استثناء جبهة النصرة من وقف الأعمال العدائية والرخصة الدولية لدى روسيا ونظام الأسد باستمرار قصفها دوناً عن الفصائل الموافقة على الهدنة.

وقد شهدت الساحة السورية وفرة في مبادرات توحيد الفصائل فيما بعد مؤتمر الرياض، لعلّ أبرزها كان “مبادرة طلبة العلم” والتي طرحها عدد من المشايخ بعضهم أقرب للتيار الجهادي وبعضهم من فصائل ثورية، وطرحت تشكيل حكومة للفصائل في الداخل، ولم تنجح المبادرة، وتحفّظت عليها جبهة النصرة.

دعا زعيم الجبهة أبو محمد الجولاني قادة فصائل جيش الفتح لمبادرة بديلة، تتلخص بدمج فصائل جيش الفتح ضمن راية وقائد واحد، وإعلان عدم تبعية التشكيل لأي مرجعية في الخارج (وهذا كان بديل النصرة عن فك الارتباط بالقاعدة)، ولم تنجح هذه المبادرة أيضاً بسبب رفض حركة أحرار الشام بشكل رئيس.

ولكن طرح هذه المبادرات بحدّ ذاته من قبل داعمي التيار الجهادي ومن قبل زعيم جبهة النصرة نفسه، يظهر الشعور بالتهديد الذي أحست به النصرة بعد توافق معظم الفصائل الثورية على مرجعية سياسية تمثلت بالهيئة العليا للتفاوض، واللجوء إلى طرح مشاريع تقوّض المرجعية السياسية للهيئة العليا من جهة، وتمنع انعزال جبهة النصرة عن الفصائل المحلية دون فكّ ارتباطها بالقاعدة أو تخليها عن مشروعها الخاص من جهة مقابلة.

ولكن جبهة النصرة قررت التوجه مباشرة إلى الحاضنة الثورية بخطاب مختلف، بعد فشل التوافق مع قيادات الفصائل، ولئن ظهر هذا الخطاب في حسابات قادة الجبهة ومنظريها وأنصارها، وحتى في كلمات المقاتلين و “الاستشهاديين” في الإصدارات العسكرية، فقد حضر ضمن محطات رئيسية:

1.    كلمة الجولاني

جاءت كلمة الجولاني حول مشروع الهدنة، والتي نُشرت كرسالة صوتية في 26/2/2016م، ليلة بدء سريان الهدنة المؤقتة، لتحدد الخطوط العامة لهذا الخطاب القادم، والذي يوازن ما بين المحدّدين السابقين (تصاعد الخطاب الثوري، التشكيك بالموافقين على الهدنة والعملية السياسية).

هيمنت الصيغة الأدبية العاطفية على الكلمة مع كثير من الاقتباسات الشعرية الحماسية وهتافات مظاهرات الثورة وتكرار مديح “أهل الشام”. وكان واضحاً من خلال التركيز على مصطلحات كانت غائبة بل شبه محارَبة من قبل الخطاب الجهادي سابقاً (الثورة السورية، الحرية، الكرامة، هتافات مظاهرات…الخ)، حرص قائد جبهة النصرة على التناغم مع الخطاب الثوري المهيمن ولو ظاهرياً، والتأكيد بأن جبهة النصرة تُمثل الثورة الشعبية وجزءٌ منها، وليست منفصلة عنها بانتمائها لتنظيم القاعدة، وإنما تعمل ضمن السياق الثوري والشعبي. واتسم رأي الجولاني حول الهدنة والفصائل بالتخوين الصريح وأن الهدنة وأدٌ للثورة ومُضادة لشعاراتها وأهدافها، كما دعى بشكل ضمني عناصر الفصائل للانشقاق عن قادتهم.

” وقد أعلنتم قراركم من أول يوم خرجتم فيه على الطاغية فقلتم حينها (الموت ولا المذلة)، وأنتم أهل لتصديقها”.

ولعلّ أحد أهداف الكلمة ومفارقاتها، هو القناعة بتراجع تأثير الخطاب الجهادي التقليدي في الحشد والتعبئة، والتحول لاستخدام مفردات الخطاب الثوري الموجه خاصة للمقاتلين ضمن الفصائل الثورية (الأقلّ تأثراً بالخطاب الجهادي)، واستغلال ظرف الهدنة، بدعوتهم لترك الفصائل التي انخرطت في العملية السياسية والانضمام لمشروع القاعدة من خلال خطاب الثورة نفسه، أي أن تنظيم القاعدة دخل في التنافس على الرأسمال الرمزي للثورة السورية وشرعية تمثيلها.

ولكن هذا التحول الخطابي في كلمة الجولاني نحو التصالح مع الفضاء الرمزي للثورة السورية وتبنّيه، والذي امتدّ بشكل واضح وسريع إلى حسابات قياديي النصرة ومنظّريها في الفضاء الافتراضي، تبعه بوقت قصير الهجوم على مظاهرات مدينة إدلب وتمزيق علم الثورة فيها، ثم الهجوم على الفرقة 13 والاستيلاء على مستودعات سلاحها وجمعيات الإغاثة المقربة منها في معرة النعمان، وهو ما أظهر عدم انعكاس هذا التحول الخطابي على استراتيجية جبهة النصرة على الأرض.

وقد دفعت ردة الفعل على قمع جبهة النصرة مظاهرات مدينة إدلب، إلى إظهار الجبهة مرونة أكبر في تعاطيها مع الحراك المدني، ومشاركة عناصرها وأنصارها في المظاهرات الشعبية في أكثر من منطقة، إلا أنها مشاركة لم تخلٌ من اصطدامات أخرى ومن إظهار التمايز في الشعارات والرايات أيضاً، فيما عدا حادثة يتيمة رفع فيها أحد عناصر النصرة علم الثورة في مظاهرة بريف حلب. وفي المحصلة لم تنجح جبهة النصرة بعد هذه الاصطدامات المتتالية والحرص المكرّس على التمايز لدى أنصارها في أن تكسر الفجوة بينها وبين الحراك الثوري المدني، بقدر ما تعمّق الشرخ أكثر.

2.    معايدة الثوار

في 17/3/2016م، ليلة ذكرى بداية الثورة السورية (18/3/2011)، أصدرت جبهة النصرة بيان تهنئة بذكرى الثورة السورية موقعاً باسم الجولاني، بعنوان: “رسالة إلى أهلنا في ذكرى الثورة”.

“نبارك لأهل الشام وأمة الإسلام مرور خمسة أعوام على ثورتهم المباركة وجهادهم المبارك، سُطّرت فيها أروع أنواع التضحية والفداء والعزيمة والعطاء”.

واختتمت بالتأكيد على انتماء الجبهة للثورة والشعب السوري:”نحن من أهل الشام والشام منّا، ولا يفرقنا عنها وعن أهلها إلا الموت إن شاء الله، ونجدد العهد على إكمال المسير حتى آخر رمق إن شاء الله”.

وهذه هي المرة الأولى لكسر الفجوة ما بين الجبهة وبين الحواضن الشعبية منذ نشأتها قبل قرابة أربع سنين ونصف، كحلقة أخرى ضمن موجة التحول الخطابي الثوري الذي أظهرته جبهة النصرة، ومحاولة لكسب مقاتلين جدد من الفصائل الثورية، وعزل الفصائل المنخرطة ضمن العملية السياسية عبر شرعية تمثيل الثورة.

3.    ورثة المجد

في 18/3/2016م أصدرت المنارة البيضاء (المؤسسة الإعلامية التابعة لجبهة النصرة) الفيلم الوثائقي “ورثة المجد 2″، (وكانت قد أصدرت فيلم ورثة المجد 1 في رمضان السابق)، بمناسبة ذكرى الثورة السورية، وليحمل رسائل تؤكد على الخطاب الجديد، وتتضمن رسائل ذكية ومدروسة بعناية.

يعمل إعلام جبهة النصرة باستمرار على إعادة إنتاج صورة الجبهة ومشروعها، ومَوضَعَتِهِ ضمن سياقات أعمّ من تصنيفات خصومه، سواء خصومه المحليين أو الدوليين. وقد تناول الفيلم الوثائقي “ورثة المجد 1”  قصة بدء الإسلام وانتشاره والقادة العسكريين الكبار في التاريخ الإسلامي وحركات مقاومة الاستعمار في البلاد الإسلامية في القرن العشرين وصولاً للجهاد الأفغاني والشيشاني ورموز إسلامية وجهادية حديثة (عز الدين القسام، سيد قطب، عبد الله عزام)،وعرض مشاهد من تدريب كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس التي كفّرها عدد من مرجعيات تنظيم القاعدة والتيار السلفي الجهادي، ليختتم بكلمات زعيم تنظيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن. وهي رسالة لموضعة الجبهة ضمن سياق إسلامي عامّ، خارج الحلقة المغلقة للتيار السلفي الجهادي والجهادي المعولم، عدا طبعاً عن تقنيات الصورة والإخراج الحديثة، والاستخدام –الذي تكرر في إصدارات عسكرية ووثائقية لاحقة- لأناشيد كانت ذائعة (بتوجه صانعيها وجمهورهم) بين التيارات الأقرب للإخوان المسلمين (حماس) أكثر مما هي بين التيار الجهادي.

أما “ورثة المجد 2″، فقد تقصّد موْضَعة الجبهة ضمن سياقين أكثر راهنية، حيث استضاف الفيلم لأول مرة متحدثين من خارج جبهة النصرة، ومن خارج تنظيم القاعدة نفسه، كالأستاذ الجامعي السوري (د.سمير الشيخ علي)، وضمّ كلمات مأخوذة من مقابلات مع نعوم تشومسكي، ومقابلات تلفزيونية لمعارضين عرب.

وأظهر الفيلم للمرة الأول صور بعض القياديين في التنظيم:

•    عبد الرحمن عطون (أبو عبد الله الشامي): القيادي وعضو مجلس الشورى في جبهة النصرة والذي تحدّث عن دور النظام العالمي في دعم الثورات المضادة ومحاربة الربيع العربي لتكريس موقع جبهة النصرة كممثل للثورات الشعبية.
•    أحمد سلامة مبروك (أبو الفرج المصري): من رموز جماعة الجهاد المصرية، ورفيق أيمن الظواهري، والذي سبق أن سُجن أكثر من مرة في مصر، وأُفرج عنه أواخر عام 2012م، لينضمّ بعدها للنصرة.
•    مالك حسين زينبية (أبو مالك التلي)، أمير جبهة النصرة في منطقة القلمون الغربي، والذي عُرف لدوره بمعارك القلمون الغربي وأحداث عرسال والجنود اللبنانيين المختطفين. واشتهر بموقفه الحيادي من تنظيم الدولة حتى بعد الحرب الموسعة عليه من قبل الفصائل الثورية (بداية 2014م) والتي شارك فيها فرع جبهة النصرة في دير الزور على مدى خمسة أشهر (شباط-تموز 2014م)، قبل أن تتوتر هذه العلاقات ويوجه نداء تحذير للتنظيم (تشرين الثاني 2015م)، ثم قيادته حملة ضد التنظيم أواخر آذار 2016م.

ابتدأ الفيلم بالحديث عن النظام العالمي المهيمن، والذي يعتمد على ذراع اقتصادي (صندوق النقد) وسياسي (الأمم المتحدة) وعسكري (مجلس الأمن). واستعان بمقابلات المنظر الأمريكي اليساري المعروف نعوم تشومسكي، لتأكيد هدف القاعدة المتمثل بكسر النظام العالمي، وموضعة القاعدة ضمن حركات الرفض ورد الفعل على عنف النظام العالمي ومنظومة العولمة (دون أن ينفوا نظرتهم للتنظيم كحركة إرهابية)، وهي السردية التي يتبناها عدد من المفكرين الغربيين، لعلّ أبرزهم الفيلسوف الفرنسي جان بودريارد الذي اعتبر أن تنظيم القاعدة عنف مضادّ لعنف العولمة، وكذلك الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، وهي الرواية التي تتقاطع مع حركات اليسار بمعارضتها للنظام العالمي وتتحدى التفسيرات الثقافوية الجامدة حول التيار الجهادي. وقد لا تكون هذه هي الفكرة المُتبنّاه أو ذات الأولوية لدى جبهة النصرة بالضرورة، ولا هي العقيدة التعبوية المستخدمة في المعسكرات، ولا تعني إرادة تقاطع مع أيديولوجيات يسارية أخرى، بقدر ما هي رسالة أراد صانع الفيلم أن يوصلها ليكسر الجمود التصنيفي حول الجبهة وأيديولوجيتها لدى الخصوم.

أما الرسالة الأكثر إلحاحاً وتركيزاً في الفيلم، فقد كانت سردية الثورة السورية التي تم استعراض بدايتها ومراحلها بدءاً من الانتفاضة الشعبية إلى المظاهرات الحاشدة إلى التوجه نحو السلاح. ويستعرض الفيلم عمليات مبكرة لجبهة النصرة وفي جبهات مختلفة، وتتقدم بالشريط الزمني حتى العام الراهن. وقد كان القصد موضعة جبهة النصرة ضمن السياق الثوري المحلي وسيرورة الثورة السورية الخاصة، دون نفي البُعد العالمي والانتماء لتنظيم القاعدة، لأن الفيلم استضاف متحدثين من القياديين المهاجرين داخل سورية (أبو الفرج المصري)، ومن قيادات تنظيم القاعدة اليمني (خالد باطرفي)، وهي سياسة دمج الأبعاد التي اعتمدتها جبهة النصرة في بدايتها، ولكن مع تأكيد مركز على الانتماء للسياق الثوري، وشرعية جبهة النصرة في تمثيل الثورة السورية، وعدم انحصارها ضمن السياق الجهادي المعولم بمصطلحاته أو أنصاره.

رابعاً: الافتراق المحتوم

لم تنجح مبادرة الجولاني (اندماج جيش الفتح) في كسر الاحتقان المتراكم ما بين جبهة النصرة والفصائل الثورية حتى المصنفة كإسلامية منها (أحرار الشام)، أو في ضمّ هذه الفصائل لمشروع يقوّض احتمالية انعزالية مشروع الجبهة عن مشروع الفصائل الثورية المحلية. ورغم الخطاب الثوري المرن فقد تكررت الصدامات التالية:

أولاً: بين جبهة النصرة والفعاليات الثورية المدنية ضمن المظاهرات الشعبية التي نشطت خلال آذار 20166م بعد سريان الهدنة ومع الاحتفال بذكرى الثورة السورية، كما حصل في مدينة إدلب (وعدة مناطق في ريف إدلب الغربي ذات النفوذ العالي لجبهة النصرة) حيث تم قمع مظاهرة شعبية وأصدر جيش الفتح قراراً بمنع رفع علم الثورة السورية داخل المدينة.

ثانياً: ما حصل بين جبهة النصرة والفصائل الثورية بعد هجومها على الفرقة 13 في معرة النعمان (13/3/20166م)، حيث تعتبر معرة النعمان ومظاهراتها (وكذلك الأتارب وكفرنبل وغيرها) أحد الحواضن الرئيسة للخطاب الثوري الأكثر قُرباً للجيش الحر والمصادم للتيار السلفي الجهادي والجهادي المعولم (ما يسمى في التداول الشعبي: إخوة المنهج)، ما أعاد التذكير بحملة الإمارة، وشجّع المخاوف بين الفصائل الثورية من تجدد الحملة وهجوم الجبهة عليها لتفكيكها، وما أنتج ردة فعل قوية في الفضاء العام.

ثالثاً: تأسيس “جيش الفسطاط” (15/3/2016) في الغوطة الشرقية، كخصم لجيش الإسلام كما كان واضحاً منذ البداية، وكما تأكد في مشاركته العنيفة ضد جيش الإسلام منذ بداية أحداث الغوطة الشرقية الأخيرة (28/4/2016م)، وبتصعيد كبير في خطاب التخوين والتكفير ضد الجيش، كما أظهرت كلمات شرعيي جبهة النصرة في الغوطة الشرقية، أو كلمات قادتها وأنصارها بشكل عام.

وقد زادت هذه الحوادث من مسافة الشرخ بين جبهة النصرة والفصائل والحواضن الثورية، وتنامى شعور هذه الفصائل بالتهديد المتفاقم والخشية من هجوم الجبهة عليها، وهو ما زاد من التقارب فيما بينها، وقد يؤدي لتحالفات عسكرية مؤسسية أكثر تماسكاً فيما بينها ضمن الفترة القادمة.

وقد أظهرت هذه الصداماتُ براغماتية المرونة المرحلية لخطاب جبهة النصرة، وأنها لم تعكس تطوراً فكرياً أو تحولاً استراتيجياً في سياسة الجبهة مع المجتمع المحلي والفصائل الثورية أو مع مشروع “الإمارة”. وقد كانت المفارقة أن الجبهة تحاول تمثيل الثورة في الإعلام، بينما تصطدم بتمثيلات الثورة المدنية والعسكرية على الأرض.

هذا إضافة إلى ما أظهرته هذه الصدامات من صعوبة إلغاء التمايز الرمزي عن الفضاء الثوري بشكل سريع، وهو التمايز الذي حاول منظرو الجبهة تكريسه لدى عناصرهم خلال سنوات، بالتركيز على تمثيل الشريعة والجهاد والعالمية في مقابل تمثيل الفصائل الأخرى لمشاريع مضادة لهذه الأهداف، إضافة إلى كون هذا التمايز أحد عوامل الجذب والتعبئة وترسيخ الانتماء لدى هؤلاء العناصر، لما يمنحه من سايكولوجيا التفوق.

خامساً: التحول للنفير

مع عدم تحقيق الخطاب الثوري الذي تبنته الجبهة خطوات تقارب مع الفصائل والحواضن الثورية، وعدم نجاح الرهان على كسب مقاتلي هذه الفصائل عبر مهاجمة الهدنة، وذلك بسبب سياسات الجبهة نفسها واصطدامها معهم، ودون أن يؤثر ذلك على التحالف الميداني بين جبهة النصرة والفصائل الثورية في جبهات القتال ضد النظام (خاصة ريف حلب الجنوبي)، فقد تحول تنظيم القاعدة لخطوة أخرى، دون أن تغيب معالم الخطاب الثوري تماماً عن شعاراتها، بعدما تمّ كسر “تابو” المصطلحات الثورية عملياً بكلمة الجولاني.

1.    حملة انفرْ

في (20/4/2016) أعلن الشيخ السعودي عبد الله المحيسني، وهو داعية مقرب من جبهة النصرة ويحظى بشعبية ضمن التيار الجهادي، عن إطلاق “حملة انفرْ” برعاية “مركز دعاة الجهاد” الذي يرأسه، بهدف دعوة الشباب للالتحاق بالجهاد، وكان شعار الحملة:

“قطع المجاهدون آلاف الكيلومترات لينصروا إخوانهم المستضعفين في الشام، فأين أنت يا ابن الشام؟”

وهو خطاب يستعيد -وإن بشكل أخف- أدبيات التنظيمات الجهادية المعولمة في سورية، الذي يرى “المهاجر” أعلى رصيداً من حيث الرأسمال الرمزي والشرعية الجهادية، مقارنةً بأبناء البلد “الأنصار”، والذي استخدم من قبل هذه التنظيمات كـ “خطاب سلطة” في مواجهة المجتمع المحلي، لإثبات أحقية المهاجر بتمثيل الجهاد وبالتالي بالحكم.

أقيمت مهرجانات خطابية في المناطق المحررة والمخيمات الحدودية، إضافة إلى حملات إعلامية كبيرة تدعو للانضمام للمعسكرات التدريبية للحملة والتي ستوزّع المتطوعين على الفصائل. ومن الطبيعي أن تحظى الفصائل الأقرب للتيار الجهادي (وفي مقدمتها جبهة النصرة) بنسبة أكبر من المتطوعين، بحكم توجهات مركز دعاة الجهاد نفسه. ولكن تواضع الأعداد المنضمة للحملة مقارنة بحجم الضخ الإعلامي، وتدنّي المستوى العمري بينهم كما أظهرت الصور، لا يجعل للحملة تأثيراً حقيقياً على قوة وعدد جبهة النصرة أو غيرها، ولكنه يُعيد إحياء مفهوم “النفير” ودعوة “شباب المسلمين” للتطوع للجهاد، بعد مرحلة طويلة من انخفاض عدد “المهاجرين الجدد” إلى سورية، عدا عن توجه النسبة الأكبر منهم إلى تنظيم داعش منذ إعلانه، وشبه استقرار المقاتلين المحليين ضمن فصائلهم. وقد أتت استجابةُ أو استكمالُ الحملة من مكان مختلف.

2.    كلمة الظواهري: انفروا للشام

في (8 أيار 2016م) نشرت مؤسسة السحاب كلمة صوتية لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري بعنوان “انفروا للشام”، لتظهر أكثر لأنصار القاعدة وجمهورها التماهي ما بين التنظيم الأم وجبهة النصرة، في الخطاب والاستراتيجية، مع تصعيد أكبر، أو عودة بالأحرى، للسقف الجهادي التقليدي وشعاراته.

ولئن كانت كلمة أسامة بن لادن الأخيرة عن ثورات الربيع العربي في بدايتها قد أثارت جدلاً بين الباحثين، بالنظر إلى مديح تنظيم القاعدة لمظاهرات سلمية تنادي بالتغيير الديمقراطي، فإن نهج تنظيم القاعدة لم يختلف جذرياً وقتها، رغم أن قادة التنظيم مروا بمرحلة من القلق بسبب تزعزع نظريتهم حول استحالة التغيير السلمي بعد سقوط نظامي مصر وتونس، ومحاولة التكيف الأيديولوجي (الخطابي بالأحرى) مع مطالبات التغيير السلمية عبر محاولة رفض فكرة التصادم بين خطابي “القاعدة” والربيع، وتوجيه الأخير نحو أهداف “القاعدة” بإقامة دولة إسلامية.

ولم تكن تلك مرحلة وفاة تنظيم القاعدة كما استعجل البعض، وعلى النقيض من ذلك فقد كانت موجة الثورة المضادة وقمعُ الأنظمة الديكتاتورية للحركات الشعبية أحد مسببات ازدهار أيديولوجيا القاعدة وتنظيمها في المشرق العربي، ولذلك فإن الإشادة المبكرة بالربيع العربي تندرج ضمن خطاب التضامن والصورة الحسنة، بينما الإشادة بالثورة السورية في كلمة الظواهري الأخيرة عن الثورة السورية باعتبارها تمثل “الجهاد الصحيح” ونعي الثورات الأخرى فهي تندرج ضمن خطة وخطاب مشروع التيار الجهادي المعولم.

لم يعد أيمن الظواهري هنا متضامناً عن بُعد مع انتفاضات شعبية غير مؤدلجة، بقدر ما أصبح أيضاً ضمن المتنافسين على تمثيل الثورة السورية، ويطلق أحكامه حول الصواب والخيانة فيها، بناء على تحول خطاب النصرة نحو تبني مفردات من الخطاب الثوري وتأكيدها على تمثيل الثورة السورية. ولكن كلمة الظواهري وعاطفته المعلنة تجاه الثورة السورية تأتي في سياق مشروع الجهاد العالمي وأهدافه، لا لتأكيد محلية المشروع كما حرص الجولاني في جميع مقابلاته أن يقول.

وكما تبنّت كلمة الظواهري خطاباً مطعماً بمفردات الثورة السورية وهتافات مظاهراتها، أسوةً بخطاب جبهة النصرة الجديد، فإنها تبنّت –مثلها أيضاً- تخوين المنخرطين ضمن العملية السياسية أو من أرادوها دولة “وطنية”، وهو ما يشمل جميع الفصائل الثورية. ولكن الكلمة تمثل تصعيداً خطابياً (بعد مرونة خطابات النصرة الأخيرة) أو عودةً بالأحرى إلى السقف الجهادي التقليدي في تكفير الدول (خاصة السعودية التي تكرر ذكرها) وتخوين التيارات الأخرى، وتأكيد عالمية مشروع الجهاد.

كررّت كلمة الظواهري الحديث بإيجابية ومديح عن الثورة السورية التي يراها بأنها: “الثورة الشعبية الوحيدة بين ثورات الربيع العربي التي انتهجت الطريق الصحيح، طريق الدعوة والجهاد لإقامة الشريعة وتحكيمها، والسعي لإقامة الخلافة الراشدة، لا خلافة إبراهيم البدري”

وأكد على فضل “مجاهدي الشام” عدة مرات وهم الذين ” ثبتوا ولم تزحزحهم الخدع والأكاذيب”، والتي يقصد بها خاصة العملية السياسية التي شاركت بها الفصائل الثورية بعد مؤتمر الرياض، حيث تعتبر السعودية عدواً تاريخياً بالنسبة لتنظيم القاعدة، وتتكرر مهاجمتها في خطاب قائد التنظيم أضعاف تكرار ذكر إيران:

“إن واجبنا اليوم هو أن ندافع عن الجهاد في الشام ضد المؤامرات التي تحاكُ له، والتي تتولّى كبرها ربيبة بريطانيا وتابعة أمريكيا، دولة آل سعود وذيولها من دول المنطقة”.

ولا يقتصر الظواهري على الشأن المحلي في سورية، بقدر ما يعطي للتيار الجهادي فيه مهمة إقليمية مؤجلة:”المشكلة الكبرى للنظام العالمي ومجرميه، ولحكامنا وأنظمتهم المرتدة، أن مجاهدي الشام يقفون على حدود فلسطين، ويهددون ما يسمونه إسرائيل.

وبعد هذه المقدمات يصل الظواهري للنتيجة أو واجب التيار الجهادي العالمي إزاء “الشام”:
“واجبنا اليوم أن ندعم الجهاد في الشام بكلّ ما نستطيع، وأن ننفر لنصرته خفافاً وثقالاً… حتى يقوم فيه كيان إسلامي مجاهد راشد”.

وخطاب الظواهري عن الثورة السورية بهذا التخصيص وتحديد الأهداف حسب سقف التنظيم وأهدافه، هو محاولة استدخال للثورة ضمن مشروع القاعدة، أكثر مما هو تصالح حقيقي مع الثورة الشعبية، على النقيض من ذلك، فإن الكلام باسم الثورة محاولة كسب لشرعية مساعدة على الاصطدام مع عموم تمثيلات الثورة التي تخالف توجهات تنظيم القاعدة.

تناول الظواهري بالقسم الأكبر من الكلمة قضية فك ارتباط جبهة النصرة بالقاعدة ونظرته لوحدة المجاهدين، بعد القول إن ” مسألة الوحدة اليوم هي قضية الحياة أو الموت لكم”، وللتأكيد على ذلك “لقد قلناها مراراً وتكراراً إن أهل الشام -وفي القلب منهم مجاهدوهم البواسل الميامين- إذا أقاموا حكومتهم المسلمة، واختاروا لهم إماماً، فإن ما يختارونه هو اختيارنا”. أما صفات هذه الحكومة فإنها “تنشر العدل وتبسط الشورى وتعيد الحقوق وتنصر المستضعفين وتحيي الجهاد فتحرر البلاد وتسعى لتحرير الأقصى وإعادة الخلافة على منهاج النبوة”، وعند تحقيق هذه الحكومة: “لن يكون الانتماء التنظيمي يوماً ما عقبة في وجه هذه الآمال العظيمة”.

وهي صياغة ملتبسة متعددة المعاني لا تشير صراحة إلى فك ارتباط جبهة النصرة بالقاعدة فيما لو اجتمع أهل الشام على حكومة راشدة، هذا طبعاً مع تحديد شروط هذه الحكومة الراشدة ضمنياً بكونها تتبنى أيديولوجياً تنظيم القاعدة، واتهام من يطالب النصرة بفكّ ارتباطها بالقاعدة بكونه جزءاً من مؤامرة وهذا يشمل جميع الفصائل الثورية (حتى إسلامية التوجه منها كأحرار الشام).

ولذلك لا يجب فهم كلام الظواهري عن التوحد أو التلميح لفك الارتباط أو مديح “مجاهدي الشام”، باعتباره تنازلاً أو مرونة مع الفصائل الأخرى كما أشارت بعض التحليلات، بقدر ما هو تأكيد على الافتراق المحتوم ما بين المشروع الثوري ومشروع التيار الجهادي، ودعوة (أو تمهيد) لجبهة النصرة للمضيّ في مشروع إقامة الإمارة في الشمال السوري، وتمهيد لصدامات أكبر مع خصوم التيار الجهادي المحليين.

إن عنوان الكلمة الصريح “انفروا للشام”، واعتبار أي طرح تتبناه الفصائل الثورية بالعموم كخيانة أو كفر، وتأكيد افتراق مشروع التيار الجهادي عنهم، مع الاستشهاد ذي الدلالة بكلمات زعيم الطالبان الراحل الملا عمر حول حمايته لأسامة بن لادن، يؤكد على استراتيجية التنظيم الأم الذي بات يعتبر أن مركز ثقله يقع في سورية (أو في الشمال السوري تحديداً حيث مركز ثقل ونفوذ جبهة النصرة بين المناطق السورية).

يأتي هذا الطرح بعد مرحلة من الانتكاسات التي أصيب بها تنظيم القاعدة خلال السنوات السابقة، بعد خروج تنظيم القاعدة من أفغانستان منذ عدة سنوات بضغط من الطالبان، وبعد إضعاف فرع اليمن (قاعدة الجهاد في جزيرة العرب) بشكل كبير باغتيال معظم رموزه في السنتين الماضيتين وبخروجه السريع من المكلا مؤخراً، وبعد هيمنة تنظيم داعش على الفضاء الجهادي المعولم، وبعد انتقال عدد كبير من قيادات خراسان إلى سورية خلال الفترة السابقة.

ولكن محدودية وحساسية الموقع الجغرافي لجبهة النصرة، وتركيز التحالف الدولي عملياته في المنطقة، عدا عن زخم التركيز الدولي على سورية، وتزايد الخصوم الداخليين للقاعدة بين الفصائل والمجتمعات المحلية، يجعل التفكير صعباً باتخاذ الشمال السوري كمركز دائم لقيادة التنظيم، ومحفوفاً بمراقبة دولية مكثفة لا يمكن أن تسمح بقيام كيان لتنظيم القاعدة على مدى طويل، ولا يحظى هذا الكيان بعمق جغرافي كافٍ للاختباء وإعادة الانتشار (كالعراق وأفغانستان ولبيبا واليمن)، ولا بقاعدة شعبية أيضاً، مع تزايد الشرخ ما بين جبهة النصرة والحواضن الثورية، وهو ما يشكك بالتحليلات التي تذهب إلى أن الظواهري وقيادة التنظيم انتقلت إلى سورية.

3.    حمزة بن لادن

بعد يوم واحد فقط من كلمة أيمن الظواهري، وبرسائل مشابهة، نشرت مؤسسة السحاب كلمة حمزة بن أسامة بن لادن، نجل زعيم تنظيم القاعدة السابق، بعنوان “ما القدس إلا عروس مهرها دمنا”. وكان التركيز على الموضوع السوري واضحاً في الكلمة رغم أن موضوعها حول فلسطين، ويعلّل ذلك حمزة بن لادن بالقول عن تحرير القدس، داعياً كالظواهري إلى “توحيد صفوف المجاهدين في الشام” في سبيل هذا الهدف:
“خير الميادين المهيأة لهذه المهمة هي ميدان الشام المبارك ويجب أن نتذكر أن الطريق لتحرير فلسطين اليوم أقرب بكثير مما كان عليه قبل الثورة السورية المباركة، فعلى الأمة أن تصب اهتمامها بالجهاد في الشام”. ومن الواضح أن الكلمة تمثل دعوة أخرى لأنصار التيار الجهادي للتوجه نحو سورية، تأكيداً لدعوة أيمن الظواهري نفسه، ولحملات “النفير”.

4.    أبو عبد الله الشامي

في 25/5/2016م نشرت مؤسسة المنارة البيضاء كلمة مصورة للقيادي والشرعي في جبهة النصرة “عبد الرحيم عطون” (أبو عبد الله الشامي)، بعنوان “ماضون في نصرتكم”.

ويعتبر الظهور الثاني للشامي بعد فيلم “ورثة المجد 2” بهدف ترويج الجبهة لرموز جديدة للأنصار والجمهور، وإن لم تكن جديدة بالنسبة لعناصر الجبهة، حيث يعتبر الشامي أكثر الشرعيين تأثيراً ضمن اللجنة الشرعية ومجلس الشورى لجبهة النصرة، حتى حين تمت تسمية سامي العريدي كشرعي عام للجبهة، عدا عن كونه من الأقلية السورية فيها حسب الأسماء المتداولة لأعضاء اللجنة (أبو سليمان المهاجر: أسترالي الجنسية مصري الأصل، أبو مارية القحطاني: عراقي، سامي العريدي: أردني، أبو عبد الله الشامي: سوري).

وتستخدم الكلمة مفردات ثورية (الحرية، الكرامة…الخ)، في إطار التركيز على التقارب الخطابي مع الحاضنة الثورية الذي بدأه الجولاني، إضافة إلى الحديث عن دور الولايات المتحدة الأمريكية في الثورة السورية، والذي يراه الشامي داعماً لنظام الأسد، ويعمل على “تصنيف قوى المجاهدين ومحاولة التَّفريق بينهم؛ فقد صنفت جبهة النصرة على قائمة الإرهاب كونها العنصر الفاعل في مواجهة نظام الأسد”، حيث تبعت ذلك بالاستهداف العسكري لجبهة النصرة، والذي استهدف عدة اجتماعات لقادة الصف الأول من جبهة النصرة في الفترة الأخيرة، وكان آخرها اجتماع قياديين للجبهة في مطار أبو الضهور وهم الذين نعاهم الشامي.

ويرسل الشامي تهديداً للولايات المتحدة عبر كلمات مثل “ذنب لا يُغفر” و “طلب الثأر” نتيجة سياستها في سورية:
“أمريكا باستهدافها لهذه القوة المجاهدة، قد وضعت نفسها أمام غضب شعبي متمثِّل بغضب الشعب المسلم في الشام، ويُمدُّه غضب أمةٍ إسلاميةٍ كاملة ترى جرائم بشار صباح مساء، وعلى كامل رقعة سورية. وسيبقى هذا الشعب المسلم الصابر المصابر المجاهد المرابط يطلب ثأره ممن زاد في معاناته ودافع عن جلاده”.

ورغم تكرار الجولاني في معظم مقابلاته محلية الإطار العسكري لنشاط جبهة النصرة، وأنه لن يستهدف دولاً أخرى، فإن تهديد الولايات المتحدة يأتي كتأكيد لانتماء جبهة النصرة لمشروع الجهاد العالمي، وفي السياق العام لتركيز قادة تنظيم القاعدة على أهمية “الجهاد في الشام” في كلماتهم الأخيرة، لإظهار تقارب أكبر ما بين التنظيم الأم والفرع الشامي الذي أضحى أقوى مراكزه، بالنظر إلى تفكك وتراجع قوة فروع القاعدة فالأخرى، وانتقال عدد كبير من قيادات القاعدة من أفغانستان أو إيران (حيث كانوا محتجزين) إلى الفرع الشامي.

ولعلّ تهديد الشامي لا يعكس نية فعلية لتنفيذ هجمات ضد الولايات المتحدة، بقدر ما يندرج ضمن خطاب رفع المعنويات وأيديولوجيا الحشد والتعبئة لعناصر الجبهة والقاعدة بالعموم، من خلال شخصية قيادية سورية محلية، فهو يجمع ما بين السياقين في الآن نفسه.

خاتمة

تستلزم القراءة الصحيحة لخطاب تنظيم القاعدة في سورية إدراك مستوياته وسياقاته ورسائله، وعدم المطابقة ما بين الخطاب المعلن والأيديولوجيا التعبوية والقناعات الحقيقية والاستراتيجية العملية، فهو خطاب سياسي أكثر مما هو خطاب أيديولوجي بحت، خاصة بالنسبة للخطاب الموجه للعموم في المرحلة الأخيرة.

وقد أظهرت جبهة النصرة منذ مشروع الهدنة براغماتية تجاه استخدام المفردات الثورية وحاولت عبر التقارب الخطابي مع الحاضنة الثورية للتنافس على شرعية تمثيل الثورة، في مواجهتها للعملية السياسية التي أفرزها مؤتمر الرياض وتوافق الفصائل على مرجعية سياسية، مع هيمنة الخطاب الثوري وعودة شعارات الجيش الحر للفضاء العام، وبدلاً من مصادمة المشروع الثوري، فإن خطاب الجبهة أراد تسويق مشروعه من خلال هذا الخطاب الثوري الجديد.

ولكن الانتماء الظاهر إلى تنظيم القاعدة وعُقدة التمايز عن الفصائل الثورية التي ترسخت لدى عناصر الجبهة خلال أربع سنوات، إضافة لمشروع جبهة النصرة نفسه، وشعورها بالتهديد من دخول الفصائل ضمن عملية سياسية دولية، دفع للاصطدام بتمثيلات الثورة المدنية والعسكرية، كما ظهر بقمع المظاهرات الشعبية التي ترفع علم الثورة وبالهجوم على الفرقة 13، حيث لم يفد خطاب التقارب مع الثورة في دمج جبهة النصرة ضمن شعارات الثورة ومظاهراتها، ولكن على النقيض من ذلك حاولت جبهة النصرة أن تصوّر مشروعها باعتباره مشروع الثورة الحقيقي، كقوة مساعدة ضد المنافسين الثوريين.

ولم ينجح خطاب النصرة الموجه للحاضنة الثورية والمنافس على شرعية تمثيل الثورة، في إقناع عناصر الفصائل الثورية بأن فصائلهم وقعت بخيانة لاشتراكها في العملية السياسية والهدنة المؤقتة، ولا في كسب مقاتلين جدد من هذه الفصائل، وهو ما تلاه تحوّل مكثف لإظهار مزيد من التماهي ما بين النصرة وتنظيم القاعدة الأم، كمحاولة لكسب متطوعين جدد من “المهاجرين”، من خلال العودة للسقف التقليدي للخطاب السلفي الجهادي وإرسال دعوات النفير إلى الشام وتأكيد شرعية تمثيل الجهاد العالمي.

ولا يعني التحوّل الخطابي تحولاً استراتيجياً بالضرورة، بقدر ما أن انزياح هذا الخطاب المتغير باستمرار نحو مفردات ثورية محلية أو جهادية عالمية، وزخم الكلمات والإصدارات التي أصدرها تنظيم القاعدة حول سورية في الأشهر الأخيرة موضوع الدراسة، يوحي بوجود اختلافات داخلية تعصف بالتنظيم، وحالة من التوتر والتخبط إزاء خيارات التعامل مع الواقع، فكما أن الانزياح الثوري في خطاب الجولاني لم ينعكس على تقارب مع الفصائل والحواضن الثورية، فإن الانزياح نحو الجهاد العالمي مؤخراً لا يعني بالضرورة إلغاء إمكانية فك الارتباط بتنظيم القاعدة، رغم أن النصرة أصبحت مركز ثقل التنظيم الأكبر (وشبه الوحيد) ورغم انتقال عدد كبير من قادة التنظيم الأم إلى جبهة النصرة، كما لا يعني تهديد شرعي جبهة النصرة (أبو عبد الله الشامي) للولايات المتحدة بأن الجبهة تخطط فعلاً لعمليات عسكرية خارج سورية.

وتقف جبهة النصرة على مفترق طرق صعب، ما بين التحولات السياسية الدولية من جهة والتي أصبحت أقرب لدعم موقف نظام الأسد وقوات سوريا الديمقراطية وإضعاف الثورة السورية بالعموم سياسياً وعسكرياً، والاستقطاب المتزايد ما بين جبهة النصرة من جهة، والفصائل والحواضن الثورية من جهة ثانية، والخلافات الداخلية فيما بين المؤيدين للاندماج في المشروع المحلي والداعمين للتماهي مع تنظيم القاعدة الأم من جهة ثالثة. وأمام هذه التحديات الموضوعية والذاتية لا يمكن أن تكفي تحولات خطابية مؤقتة في علاج مشكلة تتعلق بجذور المشروع واستراتيجيته العامة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s