تعقيبات على ليلة الانقلاب

on

تعقيبات على ليلة الانقلاب

ستبقى ليلة 16 تموز تاريخاً غير منسي في ذاكرة تركيا والعالم العربي والغربي، ويوماً محورياً في علاقة شعوب المنطقة بالسياسة والمؤسسة العسكرية، ونقطة تحول في ترسيخ حزب العدالة والتنمية لنموذجه في الحكم، والذي راهن وعمل على فشله كثيرون محلياً وإقليمياً ودولياً، ولاستكمال مشروعه في ترسيم علاقة السياسي بالعسكري وعلاقتهما بالمجتمع قبل ذلك.

ومن الصحيح أن القراءة الكاملة لنتائج محاولة الانقلاب الفاشلة تحتاج تأنياً، ومرهونة بخطوات حكومة العدالة والتنمية اللاحقة، والتي بدأت سريعاً بموجة واسعة من الاعتقالات داخل الجيش ومؤسسات الدولة، ولكن من الجدير تدوين تعقيبات سريعة على هذا الحدث الكبير الذي استلهم من روح الربيع العربي وثوراته لا شك، ولكنه كذلك يقدم دروساً لنا كشعوب وحركات عربية عامة وللثوار السوريين خاصة.

على المستوى التركي

  • كان تحرك الانقلاب بقوات ومحاور ومناطق متعددة بشكل متزامن وسريع، بإغلاق جسر البوسفور ومطار أتاتورك، واحتلال التلفزيون ورئاسة الأركان، ومحاصرة عدة مقرات لحزب العدالة والتنمية، وقصف الفندق الذي يقيم فيه أردوغان، إضافة لاعتقال عدة آلاف من المتهمين بالمشاركة بالانقلاب بعد يوم واحد، كل هذا ينبئ بمخطط عريض داخل الجيش التركي، وبمؤشرات تنبئ بدعم أو على الأقل معرفة بعض الدول بالأمر، وتتيح محاسبة الكيان الممتد المشارك بالانقلاب إعادة صياغة الدولة ككل، وتجاوز التناقضات التي كانت مؤثرة ومعرقلة في النظام السياسي سابقاً، كما أن الحرب على الكيان الموازي لجماعة فتح الله غولن يقطع خطوات في تجاوز شرعيتها وشعبيتها في مجتمع الإسلاميين وقاعدة المجتمع الصوفي المحافظ في تركيا، وهو الانقسام الذي ساهم في تراجع الرصيد الانتخابي لحزب العدالة والتنمية سابقاً.
  • أسلوب الانقلابات العسكرية التقليدي، بالسبطرة على مراكز الدولة، واجه إشكالية عميقة، وهي عملية هيكلة الجيش السابقة التي فككت من مركزية القرار المطلقة وقدرة التحرك السريع فيه، إضافة إلى لا مركزية الدولة والإعلام والنظام السياسي نفسه، الذي لم يعد ممثلاً ومحصوراً بمباني المؤسسات كما كان قديماً، وإنما هو قادر على التعبير عن نفسه مباشرة وبشكل واسع وسريع كمفاهيم وقيم مشتركة، ولا مركزية النظام التي تحول دون مركزية القرار ودون القدرة على الضبط والهيمنة هي التأثير الأهم لتقنيات الاتصال والمواصلات الحديثة في النظام السياسي الحديث، لأن الفضاء الافتراضي المعولم هو ديمقراطي بطبيعته، وهو ما لم يستوعبه الحرس القديم في تركيا، ولا في العالم العربي قبل ذلك، حيث لم يعد مهماً من يسيطر على التلفزيون الرسمي أو مبنى الأركان أو مكتب المفتي، لأن مكالمة سكايب من جهاز آيفون كفيلة بإذاعة أي بيان وقرار له صبغة الرسمية والشرعية نفسها الكافية لنزول الشعب كلّه للشوارع.
  • استعانة أردوغان بالشعب التركي لإعلان الغضب الشعبي ضد الانقلاب، كان العامل الأول في تعطيل خطة الانقلاب وإسقاط شرعيتها وقدرتها على التصعيد والاستمرار، ولكن في الوقت نفسه كانت المؤسسات الموالية خاصة المخابرات والشرطة والقوات الخاصة، وتحييد جسد الجيش عن الصراع عوامل حسم ميدانية مباشرة.
    ولئن كان ممكناً بالسبة للضباط الكبار أن يقتلوا المعترضين على الانقلاب، فإن المجندين على الأرض واجهوا معضلة في الأمر على عكس الجيش المصري أو جيش نظام الأسد مثلاُ، كما واجهت الأحزاب المعارضة مشكلة في تقبل الانقلاب وأعلنت معارضته وشاركت في المظاهرات ضده، في الحالتين وفي الحالة الشعبية قبل ذلك، نحن أمام ظاهرة مهمة وعميقة في المجتمع التركي المحافظ خاصة، لمن عايشه، وهي حضور القيم التربوية الصوفية التقليدية فيه، في الوقت نفسه من حضور الإيمان بالنظام السياسي الديمقراطي وحرياته، والانتماء الوطني المهيمن على الجميع، ولم يعد يمكن لأحد بسهولة تجاوز نموذج الدولة الذي رسخته تجربة العدالة والتنمية في السياسة والاقتصاد والتنمية، والمطالبة بدلاً منها بالعودة لعقود من الديكتاتورية العسكرية العلمانية والترهل الاقتصادي.
    وهو ما حال دون قدرة المؤسسة العسكرية والسياسية على السواء على الضبط المطلق للفرد أو المجتمع وخلق انتماء صاهر للمؤسسة، أي أننا نتكلم عن الحضور القيمي التقليدي في النظام السياسي الحديث، وقناعة المجتمع بالأمرين، وهذا قد يبدو أكثر تعبيراً عن النموذج التركي الحديث من تحميله عبء إشكالاتنا وصراعاتنا العربية أيديولوجياً وسياسياً.
  • يجتمع في عوائق الانقلاب إذن عوامل حصانة موضوعية ضد تقبل الانقلاب تضاف إلى الرد العملياتي الميداني من خلال القوات الخاصة، تتمثل بـ: قيم النظام السياسي الحديث، شبكات الاتصال والمواصلات الحديثة، والقيم التربوية التقليدية المشتركة من التدين المجتمعي والتراث الصوفي والهوية العثمانية، الحاضنة الشعبية للنموذج التركي السياسي بعد العدالة والتنمية، تعدد مراكز القوة والقرار ضمن مؤسسات الدولة، مواقف العدالة والتنمية وفكره القريب من الرأي العام عربياً وإسلامياً.

على المستوى العربي والدولي

  • كانت أول التصريحات الأمريكية والبريطانية حول الانقلاب تكتفي بتمني السلام والاستقرار لتركيا، دون أي رفض للانقلاب أو إشارة لحماية الديمقراطية، وهو ما كان بمثابة موافقة ضمنية على الانقلاب، ولكن ترى تركيا أنها كانت شراكة فيه، وكان متوقعاً أيضاً تأخر مواقف الإدانة العربية للانقلاب، أو عدم وجودها أساساً، ليس اكتشافاً ولا هو تهمة مؤامرة، أن السياسة الأمريكية –باعترافها- تفضل غالباً دعم استقرار مصالحها على قيم الديمقراطية والحرية، ولكن التحالف ما بين الدول الغريبة وأنظمة الثورة المضادة العربية على إجهاض أي تجربة ديمقراطية عربية وإسلامية، هو مغامرة ضد هذه المصالح بالذات، لأنه يبقي مسارات العنف وتنظيمات القاعدة وداعش كخيار وحيد لمقاومة الواقع السياسي وتغييره، دون الوقوع في فخ التفسيرات المعلبة لظاهرة داعش، والتي تستفيد من عوامل لا تنحصر بغياب الديمقراطية أو سبل التغيير.
  • سياسة التقارب التركي الأخيرة مع إيران وروسيا وإسرائيل، رغم الخلافات العميقة معهم، وعدم قدرتها على مواجهة الدعم الأمريكي للمشروع الكردي الانفصالي في سوريا، أو الحظر الأمريكي على دعم نوعي للثوار السوريين، والضغط الأمريكي ضد تركيا للتنازل عن مشروع إسقاط نظام الأسد، ستوضع على المحكّ الآن، حيث وضع الساسة الأتراك الانقلاب مباشرة ضمن مخطط دولي خارجي، ولم يكتفوا بالبعد المحلي فيه، وهذا يجعل انعكاساته على السياسة الخارجية لا تقل عن السياسة الداخلية.
    ولعلّ أول هذه التأثيرات ظهرت من خلال اعتقال قائد قاعدة انجرليك الجوية التي ينطلق منها طيران التحالف، وحيث تشرف القوات الأمريكية على العمليات العسكرية ضد داعش في سوريا والعراق، وقطع الكهرباء لعدة ساعات عن القاعدة قبل ذلك، نتيجة تزويد القاعدة بالوقود طائرات الانقلابيين، وهو ما يشير لمعرفة أمريكية بالانقلاب، أو عدم الالتزام المؤقت بالحكومة الشرعية على الأقل، وبدأت سجالات الاتهام والدفاع تأخذ صدى أكبر ما بين تركيا والولايات المتحدة.
  • الإيجابي في موقف الغرب السلبي من الانقلاب الأخير وقضية الديمقراطية والحريات، هو انفكاك التلازم الدائم لدى فئة من التيارات الأيديولوجية العربية من الإسلاميين والقوميين وغيرهم، باعتبار الديمقراطية مؤامرة غربية، حيث أظهرت غزة ومصر وتركيا، أن الغرب يدهم وأد الديمقراطية بالقوة حين تعبر عن خيارات شعبية لا توافقه، رغم فترة المرونة القصيرة مع الإسلام السياسي التي سرعان ما تراجعت عنها الإدارة الأمريكية، وباتت تدعم بشكل واضح ديكتاتوريات عسكرية ومشاريع انفصالية وقوى استعمارية طائفية تتمثل بإيران وميليشياتها في العراق وسوريا، على حساب القوى السنية التقليدية المتمثلة بالسعودية وقطر وتركيا.
  • التفاعل العربي الواسع ضد محاولة الانقلاب الفاشلة، والتأييد الكبير لحكومة العدالة والتنمية، كخيار ديمقراطي وإسلامي معتدل يقف مع القضية السورية والفلسطينية ويحقق نتمية اقتصادية في بلده، يلغي مراهنات كثيرة على تغير الرأي العام العربي، أو الكلام عن تجاوز لحظة الربيع العربي والدخول في زمن ما بعد الثورات (…الخ)، أو عن انتشار الفكر المتشدد على حساب الإيمان بالحريات السياسية والأنظمة الديمقراطية والفكر المعتدل، ورغم القمع الوحشي للثورات العربية والفاعلين فيها، وانسداد آفاق التغيير في مصر، والكلفة الهائلة من الضحايا في سوريا، وتوقف الحراك السياسي في أكثر من بلد، إلا أن التيار العام من المجتمعات العربية الإسلامية لم يغادر بعد لحظة الربيع العربي وأحلام التغيير السياسي وأولوية السلمية والإيمان بالحريات وقضايا شعوبنا العادلة وتديّن مجتمعاتنا المعتدل، رغم ما يبدو من طغيان صوت مخالف لذلك أحياناً، وهو درس بليغ للحكومات وحركات التغيير على حدّ سواء.

على مستوى الثورة السورية

  • لا شك أن الثورة السورية تتصدر ثورات الربيع العربي والثورات المعروفة في التاريخ السياسي الحديث، سواء باتساع الحاضنة الشعبية الثورية المؤيدة لها، أو برصيد قصص البطولة والتضحية الهائل والملحمي والمتراكم فيها، ومن حيث قدرتها على الصمود والاستمرار رغم الكلف البشرية الكبيرة وتضخم التحالف المعادي لها ليشمل جيوش عدة دول وميليشيات متعددة الجنسيات وأحزاب إقليمية انفصالية وتنظيمات جهادية معولمة، ولكن كل ذلك لا يوازيه إنجاز مشروعها على الأرض، أو تقديم بنى ومؤسسات منظمة وقادرة على تمثيل الثورة كسلطة ودولة، فضلاً عن التشتت الفصائلي، والضعف النظري للفكر الثوري، ومشاكل تنظيمية وهيكلية تهيمن على الصورة العامة للتجربة الثورية، رغم وجود تجارب ناجحة في مناطق معينة مثل داريا.
  • رغم أن غالب التشكيلات الثورية في سوريا وقفت ضد الانقلاب وإلى جانب العدالة والتنمية، فإن مساحة الاستفادة أو التقارب مع التجربة تبدو محدودة، وهذا بدايةً من أن منطلقات وأفق الحالة الفصائلية اتسمت بالمحدودية ولم يكن التفكير بالمشروع على مستوى الثورة السورية فضلاً عن الدولة، وهذا يبدو لدى الفصائل “الإسلامية” منها أكثر من سواها لأنها أكثر تعبيراً عن مشروعها، بينما يقتصر غالب الآخرين على العمل العسكري.
    وإن أخذنا مقارنة التجربة، على مستوى النظرية السياسية أو البناء المؤسسي أو الرؤية الوطنية أو الخطاب العام، فإن المقارنة غير ممكنة، لا لوجود الفارق في التفاصيل، وإنما لغياب هذه الركائز من الأساس.
  • لقد بدأت الحالة الفصائلية منذ بداية الفعل المسلح ضد نظام الأسد ولم تتوقف المحاولات والجهود التنظيمية لهيكلة هذه الحالة واستيعابها ضمن مؤسسات مرجعية، ولكن تكريس الحالة الفصائلية قام على تقويض المرجعيات المؤسسية والرمزية للثورة السورية، فتم تقويض هيئة الأركان التي مثلت أول مؤسسة عسكرية حقيقية للجيش الحر، واستبدلت بها الفصائل التي قوضت الأركان مشروع “الجبهة الإسلامية” لتكون بمثابة هيئة أركان إسلامية بديلة، والتي فشلت بدورها لخلافات هذه الفصائل نفسها.
    وتم تقويض الرموز المتوافق عليها من قبل الجسد الثوري العام، سواء مسمى الجيش الحر للمقاومة العسكرية، أو علم الثورة كبديل عن علم النظام، أو حتى مسمى “سوريا” للبلد حيث راج استخدام كلمة “الشام”، وكان الحرص على التمايز نزعة معلنة لدى الفصائل التي فضّلت أن تُدعى “إسلامية”، مثل أحرار الشام وجيش الإسلام رغم الاختلاف فيما بينهما، وكلاهما لم يتراجع عن هذا التمايز في علم الثورة على الأقل حتى الآن، فضلاً عن إقامة التحالفات السياسية والعسكرية على أساس ثوري وبمستوى وطني، ويستثنى من ذلك مشاركة جيش الإسلام وعامة الفصائل الثورية في الهيئة العليا للمفاوضات.
    بينما تم التركيز على التحالفات التي تنجح في إطار محلي محدود وعلى مدى قصير، مع تنظيمات جهادية معولمة خاصة، رغم انعدام أفقها السياسي وتأثيرها على تصنيف هذه الفصائل ومستقبلها، بدلاً من الضغط على هذه التنظيمات لتتخلى عن مشروعها الخاص وتندمج في المشروع الثوري.
    بينما لم تستطع غالب فصائل الجيش الحر (ضمن الفصائل الرئيسية المعروفة لا يوجد غير أحرار الشام من لا تصنف نفسها كجيش حر)، ورغم انعدام الاختلافات الفكرية فيما بينها تقريباً، أن تتوحد ضمن مظلة عسكرية جامعة، ولو على مستوى مناطقي، فضلاً عن أن يكون على مستوى وطني، وبقيت تعاني من التفكك الفصائلي الذي أضعف قدرتها على فرض المشروع الثوري أو على العمليات العسكرية المنظمة والضاربة، رغم تعرض هذه الفصائل خاصة للعبء العسكري الأكبر، وللتهديد بالابتلاع أحياناً من قبل تنظيم القاعدة في ريف إدلب وحماة خاصة.
  • مع غياب تنظير أو تفكير أو حركية سياسية حول الدولة، وعدم تقديم رؤية أو مؤسسات مرجعية على مستوى وطني، وتعطيل إمكانية المشروع الثوري بتفكيك مراكز التوافق الرمزي فيه وأولها علم الثورة، فقد كان ثمة مشكلة كبيرة في الخطاب الذي هيمن على صورة الثورة السورية.
    يتشابه التفاعل السوري والعربي مع استشهاد خالد العيسى ومن قبله مع حملة المظاهرات بداية آذار 2016م، بالتفاعل السوري والعربي نفسه مع ليلة الانقلاب الفاشل في تركيا، بينما أضحى ملاحظاً غياب هذا التفاعل عن تطورات عديدة ومهمة في الثورة السورية، ما أعطى انطباعاً أحياناً بتراجع التأييد أو الاهتمام بالقضية السورية، ولكن ذلك مرتبط بشكل وثيق بتكريس الحالة الفصائلية وتقويض المرجعيات المؤسسية والرمزية وبموجة الأدلجة التي عصفت بالثورة قبل ذلك.
    لقد حظيت الثورة السورية منذ بدايتها وحتى الآن، بنسبة كبيرة من التأييد الشعبي العربي والإسلامي لقضيتها، ولكن إرهاق الثورة بالخطاب الأيديولوجي أضعف من هذا التفاعل بشكل كبير، لأنه بدا أشبه باشتراطات على المتضامنين معها.
    ما يعطيه درس الشهيد خالد العيسى وليلة الانقلاب التركي للخطاب الثوري، هو أن المزاج العربي والإسلامي العام ما زال مؤيداً للقضايا الأخلاقية العادلة، وفي مقدمته قضية الحرية ضد الاستبداد والاحتلال، وأن الفكر والتدين الإسلامي المعتدل لدى مجتمعاتنا لم يتغير بشكل جذري، وأن الثورة السورية ما زالت تحظى بشعبية عالية بين السوريين والشعوب العربية، باعتبارها تمثل مبادئ وقيماً أخلاقية عليا، على عكس القضايا المشروطة بأيديولوجيات خاصة ويغلب عليها التشدد، فلا أحد ملزم بتأييد مشروع فصائلي أو أيديولوجي غريب عنه ويعارض مبادئه، مثل الانشغال بقضايا الحسبة الاجتماعية والتركيز على رفض الحريات والديمقراطية والوطنية والسياسة التي انشغلت بها بعض الفصائل، ولكن عامة مجتمعاتنا ما زالت تؤمن بعلاقة ما بينها وما بين قضية الحرية والكرامة والعدالة.
    ولهذا على الفصائل الثورية خاصة، والثوار السوريين عامة، إعادة التفكير بخطابهم العام ومشاريعهم الخاصة، بحيث لا تكون عامل طرد وتفكيك للقاعدة المؤيدة لقضية الثورة والحاملة لها.
  • إن اختزال الحالة الثورية إلى الفصائلية، قد اختصر إمكانات الفعل والتأثير الثوري، وحاضنته الشعبية والعربية أيضاً، عدا عن أن الحالة الفصائلية لم تؤطر نفسها ضمن مشروع عسكري جامع لتكون راعياً وحامياً لمشروع الثورة وسلطاتها وفعالياتها، وإن درس الحاضنة الشعبية التي كانت رأس الحربة في إسقاط الانقلاب، ينبغي أن يعيدنا إلى تعددية مسارات الفعل الثوري، وإلى مرجعية الشعب السوري الثائر كفاعلين مسؤولين ومؤثرين لا كعوامّ ورعية حسب الخطاب الوعظي الذي يستبطن إبعادهم عن الثورة أيضاً، وهذه المسؤولية الثورية العامة ينبغي أن يعاد التذكير بها لمن ابتعدوا عن المساهمة في الثورة حسب إمكاناتهم ومسؤولياتهم، دون أن نقع في فخ تحميل الفصائل أيضاً مسؤولية ابتعاد هذا القسم الكبير من الحاضنة الثورية عن العمل والتأثير.
  • إن المطلوب من الفصائل الثورية خاصة، والثوار السوريين عامة، هو التعامل بجدية مع التحدي الهيكلي والتنظيمي للمشروع الثوري على مستوى وطني، واعتباره معركة ليست أقل كأهمية وجودية من المعركة العسكرية، خاصة مع الحصار والضغط المتزايد على الثورة ومناطقها والفاعلين فيها، ومحاولات سلب شرعيتها دولياً، في مقابل وجود مشاريع متماسكة ومركزية في المقابل (نظام الأسد، تنظيم داعش، قوات سوريا الديمقراطية)، وألا تتقزم مشاكلها وقضاياها إلى مستوى خلافات فصائلية أو شخصية أو الانشغال بلون الحجاب والتمايز بالرايات، لأن قضية الثورة هي قضية المصير وتحدي الوجود للشعب السوري والشعوب العربية وبلادها ككل، وعلى هذا الأساس ينبغي التعامل مع حالة التشتت الفصائلي وتفكك المرجعيات المؤسسية والرمزية وتغييب المشروع الثوري الجامع.
  • إن قيام هيئة أركان الجيش السوري الحر كمظلة جامعة للفصائل الثورية، والتراجع عن التمايز عن الثورة السورية وعلمها وشعاراتها من قبل بعض الفصائل، والتوافق على مرجعية قضائية مشتركة، ودعم هيكلية موحدة للحكم المحلي، والتزام الخطاب الثوري بالبعد الوطني والقيم الثورية ضمن تديّن مجتمعنا المعتدل وثقافته بعيداً عن عبء الأدلجة، ليست أموراً مستحيلة، والبنى التنظيمية والنظرية التي تعتمد عليها موجودة وقائمة غالباً، ولكن ينقصها إرادة جدية بجمعها والتوافق عليها، حتى لو تضمنت مشاكل أو نواقص، لأن انتظار نزول المشاريع الكاملة قد لا ينتهي قبل نهاية الشعب المعنيّ بهذه المشاريع.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s