في إسقاط الأنظمة

on
في فيلم سبوت لايت (2015) الذي حاز أوسكار أفضل فيلم مؤخراً، يصبح فريق التحقيق حول قضية التحرش الجنسي بالأطفال في

الكنيسة الكالوثيكية مختبراً لصراع تفكيك المسكوت عنه على المستوى الشخصي والاجتماعي والسياسي والديني في مجتمع ولاية بوسطن، والذي امتد حتى المجتمع الغربي بعامة.

بدأت القصة من أخبار صحفيةمتفرقة عن حوادث تحرش جنسي بالأطفال، قام بها رجال دين في الكنيسة، لتتوسع إلى شهادات شخصية لاحق بعضَها فريقُ التحقيق، وتطوع غيرهم للشهادة بنفسه عن التجربة، ويخاف غيرهم أن يقدّم شهادته خشية من فضيحة اجتماعية أو تهديد من الكنيسة.

الكنيسة والشركات والدولة منظومة مشتبكة لتكريس وضع الاستقرار، وتتداخل مصالحها فيما بينها مع استقلال مجالات تأثيرها

يجمع فريق التحقيق شهادات موثقة بأسماء الضحايا ورجال الدين عن حوادث التحرش الجنسي بالأطفال، ولكن رئيس تحرير الصحيفة (اليهودي) يرفض نشر التحقيق قبل استكماله لتبيين علاقة الكنيسة الأم بهذه الحوادث ومن قام بها، وإثبات أن الفاتيكان نفسه كان على اطلاع بهذه الحوادث وتستر عليها، ويقول كلمة جوهرية تغير مسار التحقيق “لا نريد أن ندين أشخاصاً، يجب أن نسقط النظام”.

يستطيع فريق التحقيق أن يتتبع في سجلات الكنيسة تاريخ رجال الدين المتورطين بهذه الانتهاكات ضمن الكنائس، حيث لم يُحاكَموا بقدر ما تم نقلهم مرة بعد مرة إلى كنائس أخرى، أو فصلهم لأسباب صحية أو تنظيمية، ليكتشف الفريق بذلك نمط تعامل الكنيسة معهم، سمح لهم هذا باستكمال أسماء رجال الدين المتورطين الذين يصل عددهم في النهاية إلى قرابة 80 شخصاً في ولاية بوسطن وحدها، وهي الثغرة التي كانت تنقص التحقيق ليسقط النظام.

قصة التحقيق والصراع الذي خاضه الفريق والضجة التي تلته، والتي تجددت مع الفيلم المأخوذ عنها، تكشف لا واقعية الشعارات العلمانية الرومانسية عن انسحاب الدين من المجال العام، واستقلالية المجتمع والدولة عن الكنيسة في الغرب، والتي ما زالت تمارس تأثيرها الشبكي على مجال المجتمع الروحي وعلى خيارات مؤسساته السياسية والاقتصادية، حيث الكنيسة والشركات والدولة منظومة مشتبكة لتكريس وضع الاستقرار، وتتداخل مصالحها فيما بينها مع استقلال مجالات تأثيرها الرمزي والعملي المعلن في المجال العام.

وقد أحدث هذا التحقيق زلزالاً بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية، وصل حتى الفاتيكان، وما زالت أصداؤه تتردد حتى الآن، بعدما كان يمكن للتحقيق المبكر أن يُحل بإدانة عدة أشخاص فقط، دون تأثر النظام.

البحث في علاقات الجزئيات بالبناء الكلي في الأنظمة كفيلٌ بإدراك هشاشتها، وهو الثغرة الممكنة لإسقاطها

تحضر هذه الفكرة -وإن بشكل مختلف- في فيلم ذا بيج شورت (2015) المأخوذ أيضاً عن قصة حقيقية في إسقاط النظام، ويتكلم عن أزمة الرهون العقارية عامي 2007 – 2008، التي سببت الأزمة المالية العالمية، حين يكتشف كريستيان بيل أن نظام الرهون العقارية -الأضخم مادياً والأكثر استقراراً بين الاستثمارات- هو أشبه بفقاعة كبرى، تعمل بنجاح ما بين كل حلقتين من الرهن، ولكن بتسلسلها المستمر فهي تبني أموالاً ورهونات وهمية، تتضخم باستمرار ضمن المنظومة، وهو ما يجعل النظام الاقتصادي أشبه بفقاعة تنتظر الانهيار.

ولكن السؤال الغريب -والمرعب- بالنسبة لكل من اكتشف هذه الحقيقة أو نقلها لمن سيشاركه في استغلال هذا “النقص الهائل”، هو: هل يُعقل أن هذا النظام المبني منذ ثلاثين سنة والذي يعتبر الحلقة الأهم في الاقتصاد الأميركي وأساس حياة الملايين، هو نظام غبي ووهمي لهذه الدرجة ولم يكتشف ذلك أحد؟!

لقد تبيّن أن ذلك ممكن، وأن البحث في علاقات الجزئيات بالبناء الكلي في الأنظمة كفيلٌ بإدراك هشاشتها، وهو الثغرة الممكنة لسقوطها.

في فيلم إلكشن (1999) الكوميدي تصبح انتخابات ممثلي الطلبة في المدرسة أشبه بمقاربة للنظام الديمقراطي وزيف التمثيلات الأخلاقية في المجتمع الذي تمثله المدرسة، يتقدم للانتخابات ثلاثة أشخاص:

-الفتاة المتفوقة والغنية والشقراء، التي تمثل بجديتها وتفانيها وجمالها نموذج النجاح في المجتمع
-شاب رياضي لا مبالٍ، محبوب من الفتيات، يترشح للانتخابات بلا أي خطة أو هدف سوى أنها تجربة مرحة
-فتاة أقلّ شعبية وجمالاً وذكاءً منهم فضلا عن ميولها المثلية، هي أخت الشاب، وتجمع صفات المهمّشين والأقل تقديراً، وتترشح للانتخابات للانتقام من أخيها الذي سلبها “حبيبتها”، وهو الانتقام الذي سيتبين أنه ضد المنظومة، ولتقويضها.

في كلمات الترشح تطرح الشقراء كلمة جادة ومكتوبة بالحرف عن الحقوق والأهداف والخطط، وتقرؤها كسياسي محترف، بينما يقرأ الشاب كلمات رتيبة، واضح أنه لم يكتبها ولا يفهمها ثم يصفقون له لأنه محبوب، أما شقيقة الأخير -التي يهزأ منها الجميع في البداية- فكان برنامجها للانتخابات هو كلمة عفوية عن وهم الانتخابات نفسها، وأنها عمل بلا طائل وخدعة لا معنى لها، وهدفها إن نجحت في الانتخابات هو إلغاء الانتخابات، أي تقويض المنظومة، وهو ما سيحظى بتصفيق وترحيب عام من الطلبة، ويواجه أيضاً حرمانها من الترشح للانتخابات وفصلها من المدرسة.

سقوط شخص مبارك وبقاء منظومته هو ما سمح بإعادة إنتاج النظام بشكل أكثر دكتاتورية وفاشية

بينما على مستوى المدرسين، سنكتشف أنهم غير مشغولين بالمثل الأخلاقية والقانونية التي يعلّمونها، بقدر انشغالهم بالانفعالات الشخصية، والتي تغلب عليها قضية الخلاص الجنسي، الذي يحققه أحدهم مع الطالبة الشقراء نفسها، بينما يزوّر الآخر الانتخابات لتخسر هي.

في الفيلم البرازيلي إليت سكواد (من جزأين 2007 و2010) -وهو أحد أعظم أفلام محاربة الجريمة رغم تهميش هوليود للغات الآخرين- يكتشف الضابط ناسمينتو قائد الوحدة الخاصة لمكافحة المخدرات بعد انتقاله للمخابرات، أن خلايا التهريب والتجارة التي حاربها طيلة عمره في الأحياء الفقيرة كانت مظاهر جزئية، وأذرعاً متناثرة لمنظومة متكاملة، يقوم عليها النظام السياسي والاقتصادي للبرازيل وأحياء العاصمة المترفة، وبالبدلة الأنيقة داخل مكاتب المؤسسة يخطط لما لم يمكنه باللباس العسكري: إسقاط النظام.

نجد تمثيلات أكثر تراجيدية في عالم الواقع لجدلية إدانة الأشخاص وإسقاط النظام، مثلاً: سقوط مبارك كشخص في مصر وبقاء منظومته الحاكمة متمثلة بالجيش ومؤسسات النخبة والدولة مثلاً، وهو ما سمح بإعادة إنتاج النظام بشكل أكثر ديكتاتورية وفاشية رغم “النصر السريع” الذي رأى الثوار المصريون أنهم حققوه بإسقاط مبارك.

وعلى مستوى التنظيمات الجهادية المعولمة، نتذكر حديث منظر التيار السلفي الجهادي (أبي محمد المقدسي) للإعلام بعد حادثة إحراق الطيار الأردني في التحالف الدولي (معاذ الكساسبة)، حيث أراد المقدسي القول إن تنظيم داعش لا يمثل “التيار السلفي الجهادي”، رغم أنه نفسه اعترف أن كتبه تمثل مرجعيتهم العقدية والأيديولوجية (في تغريدة على حسابه قال: أنا شيخهم الذي علمهم التوحيد)، ولكنه أراد حصر الإدانة بتنظيم (أشخاص) لتبرئة المنهج (النظام) والسماح له بإعادة إنتاج نفسه وبناء شرعيته وشعبيته من جديد.

تحدثنا السينما والسياسة والأيديولوجيا إذن، أنه لا تمكن المساواة بين المشاكل الجزئية والخلل الكلي، أو ما بين الأخطاء السلوكية والانحراف المنهجي، أو ما بين جنايات الأشخاص وفساد النظام، وأن المنظومات المتماسكة في الظاهر يمكن أن تكون هشة وفقاعة بمجرد إدراك علاقاتها الداخلية وتناقضاتها، وأن الوقوف عند إدانة الجزء والحادثة والشخص -على تأثيره- يمكن أن يكون هو بالذات هدف النظام وطوق نجاته لإعادة إنتاج نفسه، وأن أول شروط إسقاط النظام أن ندرك ونتذكر دوماً أن هدفنا إسقاط النظام.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s