تقويض المرجعيات في الثورة السورية; مجلة سياسات عربية

on

تنويه: نُشرت هذه المادة في العدد 22 من مجلة سياسات عربية، وكُتب جسد المقال الرئيس في كانون الثاني 2016م.

————

ملخص
تستعرض هذه الورقة التحولات العديدة التي مرت بها الثورة السورية منذ اندلاعها في آذار
مارس 2011 ، وأصبحت على المستوى الخارجي محورًا لصراعٍ دولي معقد، وغدت في
الداخل مجالًا مفتوحًا على صراعات بينية وفاعلين كثيرين. ترى الورقة أن تفرّق تنظيمات
الثوار السوريين وغياب المرجعيات الموحدة على المستويين العسكري والسياسي،
وحتى الرمزي، ربما تعدّ أبرز الأزمات الهيكلية والبنيوية التي عانتها الثورة، وأثرت في فاعلية
قواها وقدرتها على طرح مشروعٍ بديلٍ. كما ترى الورقة أنّ “تقويض المرجعيات” كان مسارًا
عامًا مرت به الثورة السورية في أكثر من مجال نتيجة ديناميات وعوامل متشابهة في
الغالب، وتتحمّل مؤسسات النخبة مسؤوليتها فيها، وكذلك الفاعلون الميدانيون.

—————-
أولاً: مقدمة

بدأت الثورة السورية في 18 آذار 2011م بانتفاضة شعبية في مدينة درعا، بالتوازي مع مظاهرات في دوما وحمص وبانياس ومناطق عديدة، ضمن موجة الربيع العربي، ولم تلبث أن توسعت وتجذّرت في المجتمع والجغرافيا السورية، لتعيد في مراحلها المختلفة تشكيل سوريا والمشرق العربي ككل، وتعيد صياغة التوازنات الإقليمية والتحالفات الدولية، لتكون عقدة تناقضات العالم الأولى مع بداية العام السادس.

وقد تعدد الفاعلون وتعقد المشهد مع الوقت، لتصبح الثورة السورية في مأزقها الأخطر على المستوى العسكري أو السياسي أو حتى على مستوى استنزاف الحامل البشري لقضيتها ميدانياً، ولا شك أن أي تحديد لما هو “الواجب” أو “الخطأ” يعتريه عوامل ذاتية تابعة للتحيز لموضوع البحث نفسه أو ضمنه، وتقرأ هذه الورقة أهم وجوه الارتباك والانقسامات في مشهد الثورة السورية، كمشروع واحد تشظى مع الوقت، وأضحت إعادة جمعه أو تمثيله في كتلة صلبة مجمع عليها هدفاً صعباً لكثيرين.

ثانياً: المسؤولية الضائعة
مرت الثورة السورية بأطوار عديدة، ومتعددة التصنيف حسب زاوية المقاربة، إلا أنه يمكن تمييز سمات عامة، وتحولات مرّت بها الثورة السورية على المستوى الميداني، سواء من حيث خارطة الفصائل والقوى، أو من حيث الخطاب السائد، بالتوازي مع التحولات التي مر بها التعاطي الدولي مع الثورة السورية، الذي اتسم عموماً بتكريس ديمومة الحرب لصالح الحلف المضاد للثورة غالباً والذي لا يقع تحت الخطوط الحمراء لمجلس الأمن أو محاكم العدل الدولية، رغم فداحة الجرائم بحق الإنسانية التي قام بها، وهو ما كرّس تصوّراً لدى الفئة الثورية الأوسع، بوجود حصار دولي وخطة إضعاف ممنهجة لهذه الثورة، وهو ما أكّده التدخل الروسي في سوريا منذ نهاية أيلول 2015م والذي تلاه القرار 2254 عن مجلس الأمن.

ولا يمكن الحديث عن “أخطاء” الثوار السوريين، بمعزل عن عوامل غير ذاتية أو ثورية هنا، يتعلّق جزء منها بظروف الحرب وضراوتها ومواجهة جيوش منظمة لدولتين غير نظام الأسد –على الأقلّ- إضافة إلى ميليشيات طائفية لبنانية وعراقية وأفغانية وإيرانية منظمة ومدعومة، إضافة للضغط السياسي الإقليمي على الفاعلين السياسيين والعسكريين في الثورة السورية، وظروف الكارثة الإنسانية والحاجة للدعم والإمداد العسكري.

ومع ترسيم هذه الاعتذارات أو المحدّدات المسبقة، يمكن الحديث هنا عن أهمّ الانقسامات التي عانتها الثورة السورية، وأدّت إلى وضع التشظي الذي تعيشه حالياً.

ثالثاً: اللقاء والافتراق ما بين مؤسسات النخبة والثورة
لم تُحرم الثورة السورية من تأييد قطاعات واسعة من المجتمع السوري، إن لم تكن القطاعات الأوسع بمراحل من ثورات الربيع العربي الأخرى، ومن ضمنهم نخب فكرية وسياسية وعسكرية وعلمية، ولكن دخول الثورة مرحلة الجذرية في القطيعة مع النظام، حتى على مستوى الجغرافيا، وانتقال قسم واسع من الحواضن الشعبية للثورة إلى خارج سوريا بسبب منهج الإبادة الذي يتبعه النظام السوري وحلفاؤه، وانتقال الثورة إلى مرحلة الحرب المسلّحة بظروف استثنائية من حيث صعوبتها وخطورتها، مع خطاب مختلف الأولويات عن مرحلته الأولى، أدى –مع الوقت- إلى تشكل الحراك الثوري على الأرض بمعزل غالباً عن المؤسسات “النخبوية” المعتمدة، التي لم تنخرط كمؤسسات أو أشخاص بالحراك الثوري على الأرض، ما أدى إلى “متروكية” عامة عاناها الحامل البشري للثورة السورية.

ويمكن ملاحظة ذلك في مجالات مختلفة:

–          النخبة الدينية: لم تتخذ المؤسسة الدينية المدينية في بدايتها خطاً ثورياً إلا كمشايخ أو تيارات (أهمهم جماعة زيد)، وحتى من اتخذوا خيار تأييد الثورة، لم ينشطوا ضمن الحراك الثوري أو الفصائل المقاتلة خاصة، فلم يتم تبنّي الخيار الجهادي أو بناء خطاب جهادي ثوري مكتمل من قبلهم، ما سمح بتمدد الخطاب السلفي الجهادي داخل الحراك الثوري، وإلى شعبية مضاعفة لمنظّريه رغم محدوديتهم العلمية مقارنة بفقهاء الطيف الإسلامي العام في سوريا والعالم الإسلامي، والذي تأسست السلفية الجهادية على تكفيره ومقاطعته.
وقد كان هدف “المجلس الإسلامي السوري” الذي أعلن في اسطنبول (14 نيسان 2014م)[i]، والذي يجمع تيارات إسلامية وفقهية مختلفة (من ضمنها السلفية)، أن يصالح ما بين الرموز الشرعيين المؤيدين للثورة من جهة، والفصائل المسلحة والحراك الثوري العام من جهة أخرى، ولكن “إشكال التمثيل” في المجلس، بين من يراه مجلساً علمياً للكفاءات الفقهية و”الثورية”، أو من يرى أنه يجب أن يمثل الحراك الثوري والفصائل ويكون لها نسبها، لم يؤدّ به لبلوغ هدفه، وكانت حركة “أحرار الشام” أبرز المسنحبين من المجلس بعد إخفاق ممثلها في الوصول لمجلس الأمناء[ii].
ولكن الأحداث التي شكلت ردة الفعل الواسعة ثورياً على السلفية الجهادية (الواردة في الفقرة السابقة)، ومبادرته إلى تحديد “الم الخمسة” للحل السياسي بمشاركة الفصائل[iii]، أدت إلى استرداد المجلس شعبية أوسع.
ولكن ما يزال تأخر الفصائل (وفي مقدمتها أحرار الشام وجيش الإسلام) في دعم المجلس كمرجعية، يسهم في تغذية هذا الافتراق وترك فجوة لمزايدات “الخطاب الأقصى”.

–          النخبة الثقافية: ثمة جانبان
الجانب الأول: فقد كرست النخبة العلمانية العربية عامة، والمؤسسة الثقافية السورية بالذات، تعريفاً للثقافة بالتمايز عما هو ديني أو “إسلامي” قبل أي شيء، كشكل من تثبيت التفوق الرمزي لهذه النخبة، ومن قمع الشرعية الفكرية للآخر، وقد أسهمت هذه الممارسة المؤدلجة لتعريف للثقافة، في تعميق الشرخ ما بين الكتاب والمثقفين المعروفين الذين أيدوا الثورة، وما بين الحراك الثوري المسلح، خاصة الأكثر تصريحاً بنقدهم للأفكار الإسلامية من بينهم، من العلمانيين أو اليسار المتلبرل، وهو ما خلق ردة فعل مضاعفة لدى الجانب الآخر.
واتخذ هذا الاستقطاب (المتوهم أو اللغوي في جزء كبير منه) خصومة مبالغاً بها لدى هذا التيار ضد الحراك المسلح عامة، وضد المجموعات الأكثر تصريحاً بشعارات إسلامية خاصة، وصلت حد القطيعة والعداوة ووسم طيف واسع من الثوار المقاتلين بالإرهاب أو أنهم وجه آخر لنظام الأسد، كما وسّع بالمقابل لدى المجموعات السلفية الصاعدة تعريفها لما هو “علماني” ورسّخ نزعة التمايز وخلق هوية “إسلامية” نقية ومتمايزة عن الطيف الثوري العام، وكان لهذا الاستقطاب أن يسهم أكثر في تهيئة الأرضية الموضوعية لتمدد الفكر المتشدد أو ما ندعوه “الخطاب الأقصى”.
ورغم ظهور هذا التمايز في مرحلة اتخاذ الثورة شكلها المسلح أوا خر عام 2011م، فإنّ آثاره ظهرت أكثر في مرحلة صعود الخطاب الأقصى في عام 2013م، ولكن محدودية تأثير هذه الفئة من “المثقفين” مع الوقت، وظهور خطاب ثقافي إسلامي صاعد متمايز عن الخطاب الفقهي التقليدي، مع الأحداث التي أسهمت سابقاً في الحد من تمدد مزايدات السلفية الجهادية في المجال الثوري العام، خففت من حضور هذا الاستقطاب أو تأثيره، ولكن دون تأطيره أو تجاوزه بعد ضمن “خطاب مركزي” سائد، أو مؤسسات ثورية مجمع عليها.

أما الجانب الثاني: وهو الأهم، بالعودة إلى التعريف الأوسع للمثقف، فإن مرحلة تشكل الحامل الثوري الصلب التي سبق الحديث عنها، شهدت عزوفاً من فئة كبيرة من الجامعيين أو أصحاب الكفاءات عن الاستمرار أو الالتحاق بالعمل الثوري، وتفضيل موقع التضامن، وهو ما أسهم في ضعف الكفاءات التقنية الملاحظ لدى الفصائل الثورية، وفي ضعف الوعي المضاد في البدايات ضد فكر ومزايدات السلفية الجهادية، أو في العمل السياسي وتشكيل خطاب ومؤسسات متوافق عليها.

–          النخبة العسكرية: رغم العدد الكبير للمنشقين عن نظام الأسد، من مجندين أو ضباط، والتي تبلغ كنسبة قرابة ثلث العدد الكلي للجيش في بداية الثورة، إلا أن الحامل البشري للعمل المسلح غلب عليه المقاتلون المدنيون والقادة المدنيون، مع تأكيد مشاركة مئات من الضباط ضمن صفوف فصائل الجيش الحر، إلا أن النسبة الكبرى سواء ضمن المقاتلين أو المخططين أو القادة العسكريين لم يكونوا من الضباط أو الخبراء العسكريين.
ولا شك أن هناك تأثيرات عسكرية –وبشرية- كبيرة نتيجة الحاجة للكفاءات العسكرية المدربة، إلا أن ثمة وجهاً آخر لهذا النقص، رغم أن الثوار من المؤسسة العسكرية كانوا الأعلى نسبة في المشاركة بالثورة ميدانياً بين غيرهم من “مؤسسات النخبة”.
إلا أن فقد الكيان العسكري المنظم كان سمة عامة لدى فصائل الجيش الحر الرخوة تنظيمياً، مع بعض الاستثناءات مثل جيش الإسلام، ما سهل اختراق التظيمات الجهادية لهذه الفصائل، أو تشكيلها عامل جذب من خلال التكتيكات والخبرات القتالية الجديدة.
وتشكل هذه الثنائية في العمل المسلح في الثورة السورية ما بين العسكريين والمدنيين، أحد العوامل المهمة في تعثر جهود تأسيس مرجعية عسكرية موحدة، حيث لم تنجح في الموازنة بينهما إلا “هيئة الأركان” التي تم تقويضها لعوامل أيديولوجية أكثر منها تنظيمية في مرحلة هيمنة الخطاب الأقصى أواخر عام 2013م[iv].
وإن كان تأثير هذا النقص قد انخفض بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب، بحكم امتلاك الثوار خبرات قتالية وعسكرية وتنظيمية مضاعفة، لا توفرها الخدمة العسكرية.
وستستكمل هذه النقطة في الافتراق العسكري.

–          النخبة السياسية: فقد كان ملاحظاً الصراع الدائم على تمثيل الثورة سياسياً ما بين المؤسسات السياسية المعترف بها من قبل الدول مثل المجلس الوطني والائتلاف الوطني من جهة، وما بين الفصائل الثورية من جهة أخرى، ما ظهر فيما قبل تطوير الفصائل لمكاتبها ونشاطها السياسي، كصراع ما بين كفاءة سياسية بلا شرعية ميدانية وشرعية ميدانية بلا كفاءة سياسية.
وقد أسهم نقص التواصل ما بين وجوه المعارضة السياسية والفصائل المقاتلة، أو التخلي عن العمل معها أو من خلالها، إضافة إلى نقص تمثيل الفصائل في مؤسسات المعارضة السياسية في تعميق هذا الشرخ، والذي سهّل رواج مواقف تتخذ طابعاً تكفيرياً تجاه هذه المؤسسات من قبل السلفية الجهادية والمتأثرين بها، إضافة إلى الأخطاء السياسية التي قامت بها هذه الفصائل، سواء من خلال البيانات المتسرعة والمتأثرة بخطاب السلفية الجهادية، وعدم تكوين واجهة سياسية موحدة تتيح قوة للمواقف أو البيانات أو التعامل السياسي مع الدول أو الشعب نفسه.
وستستكمل هذه النقطة في الافتراق السياسي.

رابعاً: المرجعية الرمزية
لم يكن الحامل الشعبي للثورة السورية في مرحلتها السلمية أو المسلحة فيما بعد يحمل أيديولوجيا موحدة أو سائدة، لم يكن علمانياً بالتالي، ولا كان إسلامياً بالمعنى الأيديولوجي للكلمة، كانت ثورة المجتمعات المحلية ضد السلطة، بتضامنها وهويّاتها وتديّنها، وهو ما ضمن شعبية الحراك الثوري في البداية، ولكن تأخير التوافق على إجماعات ثورية للمشروع السياسي، وعدم وجود قاعدة شعبية مسبقة للإسلام السياسي الذي لم يعمل على تأسيس مثل هذه القاعدة المؤدلجة حتى بعد الحراك الثوري، ومحاولة اشتراط سقف للخطاب أعلى “ليبرالية” من قبل النخب “العلمانية” المؤيدة للثورة، ضمن المؤسسات التمثيلية التي تم تأسيسها في الخارج غالباً، سهّل من اختراق الخطاب السلفي الجهادي لهذا الحراك، والذي كانت داشرة تأثيره أوسع من دائرة الجماعات التي تتبنى السلفية الجهادية بوضوح كمنهج ومرجعية.

شهد عام 2013م، وخاصة بعد إعلان “الدولة الإسلامية في العراق والشام” في 9 نيسان 2013م، المرحلة الأهم لما ندعوه “هيمنة الخطاب الأقصى”، والذي كانت له جذور سابقة تمثلت بالتمايز عن مسمى الجيش الحر أو علم الثورة السورية (علم الاستقلال عن الاحتلال الفرنسي)، من قبل الفصائل السلفية الصاعدة، ويمكن الكلام هنا عن جبهة النصرة وأحرار الشام وجيش الإسلام[v]، مع الفارق الشاسع ما بين هذه النماذج، حيث فيما عدا جبهة النصرة، فإن كافة الفصائل الأخرى تدخل في مشروع الثورة السورية المحلي، دون ارتباطات بالجهاد المعولم أو المنهج السلفي الجهادي، ولكن كما أسلفت الورقة فإن “خطاب المزايدات” والتمايز عن الحقل الرمزي السائد للثورة السورية (الجيش الحر، علم الثورة، تسمية سوريا في البيانات وليس الشام.. الخ)، كان أوسع تأثيراً وحضوراً من الدائرة الضيقة للسلفية الجهادية.

أسهمت أحداث متتابعة في لأم هذا الافتراق الرمزي داخل الحراك الثوري، وإن لم يتم ردمه بالكامل بعد، الحدث الأول هو الحرب الموسعة مع تنظيم داعش (3 كانون الثاني 2014م)، والثاني حملة الإمارة التي قامت بها جبهة النصرة وتنظيم جند الأقصى ضد فصائل الجيش الحر في ريف إدلب وحماة (تموز 2014م – آذار 2015م)[vi]، والحدث الثالث معارك صد النظام العنيفة منذ التدخل الروسي (30 أيلول 2015م) والتي تحملت الفصائل التي تصنف باسم الجيش الحر العبء الأكبر فيها، خاصة في ريف حماة الشمالي، وصولاً إلى تشكيل الهيئة العليا للمفاوضات بمشاركة الفصائل.
كما استكملت عدة أحداث لاحقة تكريس وتوسيع دائرة الخطاب الثوري الناقد لمشروع تنظيم القاعدة، لعلّ أبرزها كلمات رضوان نموس (أبو فراس السوري)، ثم قمع مظاهرات مدينة إدلب[vii]، ثم الهجوم على الفرقة 13 في معرة النعمان[viii]، وهو ما دفع جبهة النصرة إلى تحولات في الخطاب لتأكيد موقع الجبهة كقوة ثورية، ويمكن قراءة ذلك في كلمة الجولاني بمناسبة إعلان الهدنة[ix]، ثم المعايدة بذكرى الثورة والمشاركة بالمظاهرات وسلسلة ورثة المجد الوثائقية.

وكان للبيانات الجماعية منذ ميثاق الشرف الثوري (17 أيار 2014م)[x]، كما كان للنشاط السياسي المتصاعد للفصائل الثورية خلال 2015م، دورها في لأم الافتراق الخطابي ما بين الفصائل، وقطعت مراحل في تكوين “خطاب مركزي” للمجال الثوري العام، إلا أنها لم تبلغ مرحلة الإجماع، بسبب تأخر أحرار الشام (وبدرجة أقلّ جيش الإسلام) في تبني علم الثورة ومسمى الجيش الحر في بياناتهم، واستمرار التأثر بمزايدات التيار السلفي الجهادي (وإن كان بدرجة أقلّ كثيراً مما كانت خلال عام 2013م).

هذا بالنسبة للافتراق داخل الفصائل نفسها، والذي تتسع امتداداته لمجمل تمثيلات الثورة السورية، الفكرية والسياسية والشعبية، بقدر ما أن خطاب (الداخل/الخارج) قد عكس افتراقاً واضحاً في الخطاب ما بين الفصائل والمعارضة السياسية، لكنه كان بالتوازي مع معضلة الأحقية بـ “تمثيل الثورة”، والتي لم تستطع الثورة السورية حلّها حتى الآن، بعد مراحل من الانهيارات العسكرية والسياسية والشعبية.

خامساً: المرجعية العسكرية
بدأ العمل المسلح في الثورة السورية منذ البداية، كامتداد مسلّح للمجتمع المحلي، وتطور إلى فصائل على أساس مناطقي أو أيديولوجي أو مشترك، وكانت هناك محاولات عديدة لتنظيم العمل المسلح ضمن مؤسسة مرجعية موحدة، وكان أهم أسباب فشل محاولات توحيد وتنظيم “الجيش الحر” ضمن المجالس العسكرية، هو التناقض ما بين إصرار الضباط المنشقين على التراتبية العسكرية كأساس للقيادة من جهة، وكون الحراك المسلح قائماً على المدنيين و “الأبطال” المحليين والميدانيين من جهة ثانية، التناقض البنيوي الذي ضاعفه تناقض في الخطاب مع إصرار المجالس العسكرية الرسمية على لغة أقلّ “إسلامية” مما يسمح واقع الحرب، وكانت “هيئة الأركان” التي رأسها العميد سليم إدريس محاولة ذكية لجسر هذه الهوة باعتمادها مبدأ ثنائية القيادة للجبهات (قيادة عسكرية لضابط منشق، وقيادة ميدانية للقادة المدنيين)، إلا أن انحياز الأركان (المؤسسة العسكرية) إلى الائتلاف (المؤسسة السياسية) بعد “بيان الـ 13″[xi] ومشاكل عديدة داخلية، أعادت هذا التناقض من جديد وحسمته لصالح الضباط المنشقين والمؤسسات الرسمية لا للحراك الثوري بقادته الميدانيين، وهو ما أنهى هيئة الأركان كمؤسسة مرجعية.

وقد تكرس مع الوقت الطابع الفصائلي للثورة السورية، دون وجود مؤسسة عسكرية تفرض شرعية عسكرية بديلة عن النظام، سواء من الناحية القانونية أو في مفاوضات الحل، وهو ما أبقى مرجعية الجيش النظامي في أوراق الحل السياسي، رغم انهياره وتفككه بعد الانشقاقات والخسائر الهائلة خلال الحرب، وتحوله لقوة إعلامية أمام هيمنة الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية الرديفة على العمل المسلح ضد الثوار السوريين.

وقد أسهم تكريس الانتماءات الفصائلية كواقع وأساس للعمل المسلح في الثورة السورية في صعوبة بناء مؤسسة عسكرية موحدة، وفي هشاشة هذه الفصائل نفسها، بسبب هشاشة قدرة الانتماءات الجديدة للفصائل في فرض نفسها كشرعية أو دافع وجداني لدى المقاتل، وكان التوافق ما بين الشرعية الثورية والتنظيم العسكري ممكناً في حالة وجود مؤسسة عسكرية موحدة تتجاوز الفصائل كانتماءات وتنظيمات أثبتت ضعفها في مواجهة تحديات وجودية كحملات جبهة النصرة وجند الأقصى عليها.

ورغم وجود مشاريع عديدة لتوحيد الواجهة العسكرية فيما بين الفصائل، إلا أنها لم تنجح على المستوى “الوطني” ولا على مستوى الجبهات (الشمالية، الجنوبية، الشرقية..الخ) ولا على مستوى المدن الواحدة. إلا أن التراجع الميداني الخطير بعد التدخل الروسي، في ريف حلب الجنوبي والشمالي والساحل والغوطة الشرقية الذي يبدو أنه تم بضوء أخضر دولي رغم حجم انتهاكاته الخطير، بالتوازي مع الضغوط السياسية الكبيرة للمجتمع الدولي على الثورة السورية وفصائلها حتى بعد إقرار الهدنة المؤقتة (27 شباط 2016م)، عدا عن خطر التفكك أو الاقتتال الداخلي خاصة بعد هجوم جبهة النصرة على الفرقة 13 واستيلائها على مستودعات ومقرات الفرقة في معرة النعمان (12 آذار 2016م)، بالإضافة إلى إلغاء الثورة كسلطة بديلة شرعية في مفاوضات الحل، كل هذا يشكل دوافع وضغوطاً على الثوار السوريين لتشكيل مرجعية عسكرية موحدة.

سادساً: المرجعية السياسية
لم يكن ثمة تجربة سياسية في سوريا ما قبل الثورة، بعد عقود من التصحير السياسي ومصادرة المجال العام من قبل الأجهزة الأمنية، ولكن نشأ وسط سياسي معارض من خلال تجارب مثل إعلان دمشق أو الإخوان المسلمين أو المثقفين المعارضين، وقد تأسست الكيانات السياسية للمعارضة في البداية تبعاً لهذه الكتل السياسية –وغيرها- بشكل رئيس، وهي الكتل التي دعمت الحراك الثوري، ولكن نشأت مسافة فاصلة ما بينهما، نتيجة تمثيل هذه المؤسسات السياسية لتوازنات هذه التيارات المعارضة إضافة لتوازنات إقليمية أحياناً، أكثر مما عكست تمثيل القوى الثورية الفاعلة والقادرة على التأثير، والتي تعتبر الفصائل في هذه الحالة.
ولم ينجح المجلس الوطني ومن بعده الائتلاف الوطني في جسر هذه الهوة التي حرمت هذه الكيانات من شرعيتها التمثيلية أو فاعليتها التأثيرية في الميدان، وكرست هذا الافتراق الحاصل ما بين المعارضة السياسية والفصائل الثورية التي لا يمكن تجريدها من هدفها أو دورها السياسي.
بينما عكست الهيئة العليا للتفاوض (10 كانون أول 2015م) النسبة الأعلى لتمثيل الفصائل المسلحة بين الكيانات السابقة، ولكن تحول هذه الهيئة إلى مرجعية سياسية مرهون بقدرتها على كسب معارك سياسية أو ارتباطها بدعم عسكري نوعي، وفيما قبل ذلك حصولها على شعبية وشرعية ثورية بين الحواضن أو المقاتلين لم تحققها بعد بسبب حداثتها.

سابعاً: خاتمة وتوصيات
تعاني الثورة السورية من فقدان المؤسسات المرجعية أو الواجهة المتفق عليها، على المستوى السياسي أو العسكري، أو حتى المجال الرمزي والخطاب، ويمتدّ تأثير ذلك إلى عمق تماسك بنيتها الداخلية، أو قدرتها على النشاط الخارجي، وديمومتها كقضية ومشروع سلطة بديلة.
وتقترح هذه الورقة لعلاج هذا الإشكال العميق في بنية الثورة السورية:
–          توافق الفصائل على الخطاب الثوري الوطني المعتدل، بعد التأثر بموجة “الخطاب الأقصى”، وضرورة التوافق على علم الثورة السورية كشعار جامع، وتحديد مشروعها السياسي للمرحلة الانتقالية أو شكل الدولة، لتأطير حدود مشروعها ومرونتها.

–          التوافق على المرجعية الشرعية، باعتبار الجانب الأيديولوجي ذا أولوية في تأثيره في الصراع الراهن، خاصة في ظل تحدي الخطاب الأقصى، وتتمثل هذه المرجعية بالمجلس الإسلامي السوري إن لم يتم التوافق على كيان غيره.

–          أولوية تأسيس المرجعية العسكرية، حتى ولو كانت واجهة ومسمى مشتركاً دون اندماج تام أو تراتبية مطلقة، لضبط العمل العسكري ضمن مشروع ثوري موحد، ولخلق شرعية عسكرية قانونية بديلة عن النظام، ويمثّل مشروع “هيئة الأركان” الأقلّ تكلفة تنظيمياً وإجرائياً مقارنة بمشاريع دمج الفصائل التي فشلت مرة بعد مرة.

–          التوافق حول “الهيئة العليا للمفاوضات” كمرجعية سياسية، مع ما يلزمه ذلك من إعادة استدخال حركة أحرار الشام ضمن الهيئة، ومن ضرورة النقاش الدائم حول فاعليتها وتمثيلها، في المقابل فإن المضي في مشاريع تأسيس مرجعية سياسية مستقلة للفصائل (كالتي طرحتها مبادرة طلبة العلم) يعني تقويض هذه المرجعية دون تشكيل بديل.

–          يشكل وضع الهدنة المؤقتة فرصة مميزة لاختبار قدرة الثورة على التصرف كمشروع أو سلطة بديلة، وهو ما يحتم المضي في تأسيس سلطات محلية مستقرة في المناطق المحررة، وهو ما يستلزم بعد توحيد الواجهة والمسمى العسكري (دون اشتراط الاندماج) تأسيس أو دعم المرجعيات القضائية والمدنية الموحدة من قبل الفصائل الثورية.

–          تفعيل مسارات التطوع والدعم والعمل المشترك بين الداخل السوري والخارج، خاصة في المجال العسكري الذي يعاني من حاجة ونقص فادح في أعداد المقاتلين.

————–

[i] يوتيوب, إعلان تأسيس المجلس الإسلامي السوري في إسطنبول

[ii] أحمد أبازيد، سياسة الدين المخبأ: كيف فشل الإسلاميون السوريون في حرب الأفكار؟”، مركز نماء للبحوث والدراسات، 12/3/2015م
http://nama-center.com/ActivitieDatials.aspx?id=30525
[iii] إعلان وثيقة المبادئ الخمسة للثورة السورية، المجلس الإسلامي السوري، 18/9/2015
http://sy-sic.com/?p=2221
[iv] أحمد أبازيد, “ثورة المتروكين”, منتدى العلاقات العربية والدولية, 27/8/2014م
http://fairforum.org/?p=2265
[v] يقول حسان عبود (القائد السابق لحركة أحرار الشام الإسلامية) في مقابلته على الجزيرة:

كنا أول مكون لم ينخرط في بنية الجيش الحر، نحن أخي كنا أسبق وجوداً من الجيش الحر ولما قام الجيش الحر لم نعلن الانضمام له وكان لنا أسبابنا في هذا.

انظر:
حسان عبود… سلسلة رموز المعارضة المسلحة ج1، الجزيرة نت، 11/6/2013م
http://www.aljazeera.net/programs/today-interview/2013/6/11/%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D8%B9%D8%A8%D9%88%D8%AF-%D8%B3%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A9-%D8%B1%D9%85%D9%88%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D8%B6%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D8%AD%D8%A9-%D8%AC1
[vi] للتوسع في حملة الإمارة،  انظر:
أحمد أبازيد، أحرار الشام بعد عام طويل، مركز عمران للدراسات، 30/9/2015م
https://www.omrandirasat.org/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A8%D8%AD%D8%A7%D8%AB/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA/%D8%A3%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D9%85-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D8%B7%D9%88%D9%8A%D9%84.html
[vii] اتهام جبهة النصرة بمنع مظاهرة بإدلب بسبب علم الثورة، عربي21، 7/3/2016م
http://arabi21.com/story/892957/%D8%A7%D8%AA%D9%87%D8%A7%D9%85-%D8%AC%D8%A8%D9%87%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5%D8%B1%D8%A9-%D8%A8%D9%85%D9%86%D8%B9-%D9%85%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D8%A8%D8%A5%D8%AF%D9%84%D8%A8-%D8%A8%D8%B3%D8%A8%D8%A8-%D8%B9%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D9%81%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88
[viii] جبهة النصرة تسيطر على مقرات الفرقة 13 في معرة النعمان، عنب بلدي، 13/3/2016م
http://www.enabbaladi.org/archives/69117
[ix] كلمة الجولاني حول وقف إطلاق النار، قناة أورينت نيوز على موقع يوتيوب، 26/2/2016م

[x] ميثاق الشرف الثوري للكتائب المقاتلة، 17/5/2014م (فيديو)، انظر:

[xi] البيان رقم1 حول الائتلاف والحكومة المفترضة (فيديو), على الرابط:
https://www.youtube.com/watch?v=nQOYASLLTRA

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s