ثمانية وعشرون عاماً

on

اليوم الجمعة أتممت 28 عاماً، في 31/3/1989 وُلدتُ في عمّان لأمّ تعلّم الرياضيات والتقوى وحبّ الحياة لأنها فيها، لم أجتمع بها منذ عامين، ولأبٍ مهندس في المنفى بعد حلم ثوري انتهى برفاق في المهجر أو في القبور أو قسم عادوا للنظام، يومها لم يخطط -ولا أنا- لأن يكون لي تنويعة رفاق شبيهة، في الابتدائية كنت نابهاً وهادئاً، عشت طفولة سريعة ثم التزمت المكتبة، منذ كنت في الثانية عشرة صرت قارئاً نهماً ويومياً، قرأت أمهات الكتب خلال المدرسة، الجاحظ وابن عبد ربه وابن قتيبة والمبرد والطبري والقرطبي وابن الأثير وغيرهم كانوا الجيل الذي عشت معه، ذات يوم مشيت نصف نهار مع ثلاثين مجلداً في يدي لأنه لم يبق معي أجرة عودة للبيت بعد شراء الكتب، درست هندسة عمارة بلا هدف، تخرجت مضجراً، كنت -وما زلت- متطرفاً انتماءَ ووجدانياً منذ بدأ الربيع العربي وقلت إنني ولدت من جديد بعد 18 آذار قبل ست سنين، عشت قرابة عام أقضي اليوم أقرأ في مكتبة الجامعة وأشاهد فيلماً في المساء وربما ألتقي بعض الأصدقاء، أحياناً كنت أعرّج على مشفى الجامعة -حيث ولدت- وأراقب وجوه المتعبين وتنويعات المرضى، ستصبح هذه الآلام خفيفة كنزهة بعد ذلك، زرت خمس دول، عرفت نساء أقل من أصابع اليد، بالعموم كنت فاشلاً فيما هو عملي ومعاش، فيما عدا طبخ اللحم بشهادة الأصدقاء، وأزعم أن لدي ذائقة جمالية جيدة في الطعام والسينما والأدب والسماع، ذهبتُ إلى حلب قبل قرابة أربع سنوات، خرجت من حلب قبل قرابة أربعة أشهر، وبدلت فيها أربعة بيوت، عشت حصارين، ومعارك أكثر، ومجازر لا أذكرها، وأصدقاء قُتلوا في اشتباك أو تحت الأبنية، بعضهم كنت معه قبل يوم أو ساعات أو كان أمامي، بقيت عامين لا أنام إلا بمسدس تحت رأسي، الأشلاء في الأرض والصيحات في المباني والبراميل تهطل من السماء والجثث ممددة أمام المشافي، أدرك الآن متأخراً أن الحياة اليومية تعني أمراً آخر لعموم البشر، وإن لم أعتد من جديد هذه الحياة العادية بعد، التقيت مئات أو آلافاً من الثوار، قادةً وشهداءَ وأبطالاً بلا ضجيج وآخرين تفرقوا في الأرض وكثيرين ما زالوا يدفعون الصفر بوجه الليل، عشت لحظات شهرة وضجيج أحياناً، وتعتادني العزلة والأرق أكثر، أنسى مؤخراً بشكل واضح، كتبت كثيراً وأسكت حين يسألونني عن حلب، لأنه لا كلام يكفي.. ولا كلام يليق، ولا فقدَ بعد حلب وتتخفى الذاكرة مما قبلها، في هذا العمر القصير الذي يبدو طويلاً ومملاً لا أشعر أنني أنجزت أو فعلت شيئاً يستحق، وكثيراً ما أترنم: ما جدوى ذلك، ولكن أتراجع حين أتذكر أمي وهدوء المكتبة وحلب، وقد كانت حياة جميلة، الحمدلله

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s