أبعاد ومآلات الصراع في الغوطة الشرقية

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

لا يبدو أن المعارك الجارية بين أطراف المعارضة المتقاتلة ستهدأ، حتى والنظام وحلفاؤه يتقدموا نحو الغوطة. في 28 أبريل/نيسان 2017، شنّ جيش الإسلام هجوماً واسعاً على مقرات هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة) في بلدة عربين، واستكمله إلى مناطق بيت سوى والأشعري وبيت نايم، وهي أهم معاقل جبهة النصرة في الغوطة الشرقية، بعدما أعلن الجيش عن احتجاز مجموعة تتبع له من قبل جبهة النصرة في عربين، أثناء توجه المجموعة إلى حي القابون الذي يتم الوصول إليه عبر أنفاق.

تمكن جيش الإسلام من السيطرة على غالبية المقرات الرئيسية لجبهة النصرة خلال الساعات الأولى من الهجوم، وبسط سيطرته في عدد أكبر من البلدات، وتم الإعلان عن مقتل قياديين أردنيين في الجبهة، وهو ما اضطر مقاتلي جبهة النصرة للانسحاب نحو مناطق يسيطر عليها فيلق الرحمن، وإعادة الهجوم من هناك تجاه عربين وحزة، ما تلاه انسحاب جيش الإسلام من بلدة حزة،  بعد هجوم مشترك من فيلق الرحمن وبقايا جبهة النصرة، مع استمرار جيش الإسلام في محاولة اقتحام بقية “القطاع الأوسط” معلناً أن هدفه هو استكمال القضاء على تنظيم جبهة النصرة واعتقال قيادتها، وليس الهجوم على فيلق الرحمن، وهو ما لم يقتنع به الفيلق الذي اتهم جيش الإسلام بأنه استولى على عدد من مقراته تحت ذريعة الهجوم على جبهة النصرة، فيما التزمت أحرار الشام وبقية الفصائل الأصغر في الغوطة بالحياد.

ويدور الخلاف الحالي والأخطر -بالنسبة لوضع الثوار في الغوطة المحاصرة- ما بين جيش الإسلام وفيلق الرحمن بعد سيطرة جيش الإسلام على عدد من مقرات الفيلق وحدوث مواجهات محدودة بينهما، ولكن مع إعلان الطرفين عدم نية الهجوم على الآخر وإرادة التوصل لاتفاق، حيث يعتبر جيش الإسلام أنه ردّ على مصادر النيران التي التجأ إليها عناصر جبهة النصرة، ويتهم الفيلق بأنه قدم الحماية لعناصر النصرة الذي فروا منه، بينما يرى فيلق الرحمن أن هجوم جيش الإسلام على مقراته كان مقصوداً وإن تم وضع جبهة النصرة كذريعة، ويتخوف الفيلق من عودة جيش الإسلام إلى “القطاع الأوسط” بسبب تاريخ الخلافات ما بينهما، بينما تستمر جهود الجهات الشرعية والمحلية في محاولة التوصل لتفاهم ما بين الجانبين.

اختار جيش الإسلام الهجوم على جبهة النصرة في الذكرى الأولى للهجوم الواسع الذي شنّه عليه تحالف جيش الفسطاط (وعماده الرئيس جبهة النصرة) مع فيلق الرحمن ضده قبل عام واحد، والذي أدى إلى كسر هيمنة جيش الإسلام في الغوطة الشرقية، وساهم في خسارة مساحات واسعة لصالح قوات النظام في القطاع الجنوبي إضافة إلى انهيارات متتالية أخرى، وكانت نتيجة هذا الاقتتال على الخارطة تقسيم الغوطة إلى منطقتين شبه مستقلتين: “دوما” حيث جيش الإسلام، و”القطاع الأوسط” الذي يشكل عمق الغوطة ويسيطر عليه بشكل رئيس فيلق الرحمن والفصائل الأخرى مثل أحرار الشام وجبهة النصرة، إضافة إلى “حرستا” معقل فصيل فجر الأمة (أحد مكونات جيش الفسطاط سابقاً والذي التزم الحياد في الحرب الحالية).

فصائل الغوطة الشرقية

يستوجب فهم الصراع الراهن ومخاوف أطرافه معرفة الخلفيات الاجتماعية والأيديولوجية والحساسيات المتراكمة ما بينهم.
جيش الإسلام: كانت النواة الأولى من جيش الإسلام تحت اسم “سرية الإسلام”، ثم تطورت إلى “لواء الإسلام” وصولاً إلى “جيش الإسلام” في 30/9/2013، ويمتاز الجيش بهكلية عسكرية متماسكة، مقارنة بالتشكيلات الأضعف تنظيمياً في الجيش السوري الحر، ويعتمد على نواة محلية صلبة من أبناء مدينة دوما، أكبر مناطق الغوطة الشرقية، ويستند إلى مذهب “السلفية العلمية” ذات الخصومة التقليدية مع المؤسسة الدينية في دمشق (التي تستند إلى مزيج شافعي أشعري صوفي)، وذات عداوة شديدة مع “السلفية الجهادية”، وهذا ما جعل علاقة جبهة النصرة وجيش الإسلام مشحونة ومتوترة منذ بداية ظهورهما، إلى درجة وصف مفتي جيش الإسلام (أبو عبد الرحمن كعكة) جبهة النصرة أنهم “خوارج” منذ عام 2012، حسب المصطلح الفقهي الذي يتم وصف تنظيم داعش به أيضاً كدلالة على التطرف.

فيلق الرحمن بقيادة النقيب عبد الناصر شمير: تشكل الفيلق في نهاية 2013 باجتماع عدة تشكيلات محلية تتبع للجيش الحر وغير مؤدلجة في بلدات الغوطة الشرقية، أهمها لواء البراء، وكان من التطورات المهمة انضمام “الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام”، وهو التشكيل الذي يعتبر المقابل الفكري لجيش الإسلام، من حيث انتماؤه للمدرسة الدينية الدمشقية، وتأثره بفكر الإخوان المسلمين، وتحول فيلق الرحمن إلى ثاني قوة عسكرية في الغوطة الشرقية، وتلقى دعماً من غرفة الموك، مع تمثيله قواعد اجتماعية ومدرسة فكرية مقابلة لجيش الإسلام (وهي مدرسة معادية للسلفية الجهادية أيضاً)، ولكنه تأثر بعدة انشقاقات بعد تحالفه مع جيش الفسطاط، والهجوم على جيش الإسلام العام الماضي.

جبهة النصرة بقيادة أبو عاصم: لم تستطع جبهة النصرة ضم عدد كبير من أبناء الغوطة الشرقية، واقتصر تشكيلها غالب الوقت على عدة مئات، رغم قدرتها المالية الضخمة بسبب الأنفاق ومعامل عربين التي تسيطر عليها، وكان غالب منتسيبها من منطقة المرج والقطاع الجنوبي التي سقطت إثر الاقتتال مع جيش الإسلام، وغالب الصف القيادي فيها من الجهاديين الأردنيين الذين يتبعون فكرياً للمنظرين الجهاديين أبو محمد المقدسي وأبو قتادة الفلسطيني.
فجر الأمة: وهو فصيل محلي في حرستا وغير مؤدلج، وإن تأثر بالتقارب مع جبهة النصرة في جيش الفسطاط، والتزم الحياد في الاقتتال الأخير.
حركة أحرار الشام الإسلامية: ولديها مجموعة من عدة مئات في الغوطة، ورغم الحساسية القديمة مع جيش الإسلام وتقارب قسم منهم مع النصرة، إلا أن فرع الحركة التزم الحياد في الصراعات الداخلية بين فصائل الغوطة.

مآلات محتملة
لا شك أن صراع النفوذ والحساسيات الشخصية كان له دور كبير في الاستقطاب ما بين فصائل الغوطة الشرقية، والذي استدعى العوامل المناطقية والأيديولوجية معه، إضافة لاختلاف العلاقات السياسية والإقليمية.

وربما يمكن وجود قراءة سياسية لمعركة جيش الإسلام على جبهة النصرة في هذا الوقت، رغم اشتداد حملة النظام على الغوطة وأحياء دمشق الشرقية (القابون، برزة، حي تشرين)، بهدف قطع ذريعة الإرهاب، إضافة إلى إمكانية عقد الأطراف المتقاتلة اتفاقيات تخص الغوطة الشرقية، ولكن يبقى أساس هذه المعركة هو الاختلاف والمواجهات المتراكمة ما بين جبهة النصرة والجهاديين عامة من جهة وجيش الإسلام، وتشكيلات الجيش الحر المختلفة من جهة أخرى، إضافة للتنافس القديم ما بين جيش الإسلام وفيلق الرحمن على مستوى آخر.

ولكن تأخر حسم ملف جبهة النصرة من قبل جيش الإسلام والقوى الأخرى في الغوطة، وعدم التوصل لاتفاق مع فيلق الرحمن، قد يؤدي لتطور الأمر إلى مواجهات مفتوحة داخل الغوطة الشرقية وحرب استنزاف قد يستغلها حلف النظام في قضم مناطق جديدة من الغوطة، أو محاولة فرض حالة انهيار كالذي حدث في الأحياء الشرقية من حلب إثر هجوم جبهة النصرة وحركة الزنكي على تجمع فاستقم في نوفمبر تشرين الثاني 2016.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s