معركة درعا والمشروع الإيراني في الجنوب

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

في 12 شباط 2017 أعلنت غرفة عمليات “البنيان المرصوص” عن بدء معركة باسم “الموت ولا المذلة” تجاه حي المنشية الواقع تحت سيطرة نظام الأسد، لإبعاد النظام مسافة أكبر عن المعبر الحدودي مع الأردن بعد سلسلة من محاولات النظام التقدم باتجاهه، وحي المنشية هو الجزء المتبقي تحت سيطرته من أحياء “درعا البلد” حيث انطلقت شرارة الانتفاضة الشعبية في 18 آذار 2011م، حيث تسيطر المعارضة في مدينة درعا على “درعا البلد” ومخيم درعا (الذي كانت تسكنه غالبية من الفلسطينيين والنازحين من الجولان) بينما يتمركز النظام في درعا المحطة وهو الجزء التجاري والأحدث من المدينة والموصول عبر الأوتوستراد الدولي إلى العاصمة دمشق، وتعتبر محافظة درعا أول الحواضن الاجتماعية الصلبة للانتفاضة الشعبية والجيش الحر والمعادية لنظام الأسد. يسلط تحليل المعارك الأخيرة ضوءًا على تكتيكات الطرفين المقاتلين، وكذلك على استراتيجية إيران في المنطقة الجنوبية وسوريا برمتها.

وتتكون “البنيان المرصوص” من غالبية من المقاتلين المحليين من أبناء مدينة درعا والمنتمين لمظلة الجيش الحر مع مشاركة مقاتلين محليين من فصائل إسلامية أو من ريف درعا، وأصبحت مع الوقت تمثل موذجاً للعمل العسكري المنظم والناجح بالنسبة لباقي التشكيلات في المحافظة، إضافة إلى كسر حالة التنافس الفصائلي والجمود العسكري الذي كان مخيماً على الجنوب.

مرت معركة “الموت ولا المذلة” بعدة مراحل خلال الأشهر الأربعة قبل الحملة الأخيرة، واستطاعت التقدم والسيطرة على كامل حي المنشية –تقريباً- خلال أشهر من معارك المباني العنيفة واستعمال مكثف للأنفاق تحت الأرض والسيارات المفخخة عن بعد وصاروخ عمر (أرض-أرض) المصنع محلياً، دون أن يتمكن النظام –وتغطية الطيران الروسي- من استعادة المناطق التي خسرها وفشل الوحدات المختلفة في الثبات أمام هجمات  درعا.

في بداية حزيران دخلت إيران وروسيا بقوة على خط المعركة بمخطط اجتياح المدينة والوصول حتى المعبر الحدودي مع الأردن وفصل ريف درعا الشرقي عن الغربي، مستغلين هدوء جبهات الشمال السوري الذي وفر لهم عدداً أكبر من المقاتلين، حيث أرسلت إيران عدداً كبيراً من مقاتلي الميليشيات الشيعية متعددة الجنسيات لتدخل في المعركة، بقيادة حزب الله اللبناني، كما أرسل النظام وحدات اقتحامية خاصة من الفرقة الرابعة بقيادة العقيد غياث دله سبق أن جربها في معارك الزبداني وداريا، كما بدأ الطيران الحربي للنظام مع الطيران الروسي يكثف القصف الجوي على أحياء المدينة بمختلف الأسلحة ومن ضمنها النابالم الحارق، مع استمرار البراميل المتفجرة والقصف المدفعي، مستخدمين أسلوب الأرض المحروقة كالتي سبق استعمالها في الأحياء الشرقية المحاصرة من حلب قبل خروج قوات المعارضة.

وبسبب تركيز قوات البنيان المرصوص على جبهة المنشية وتحصينها، حاولت الحملة الإيرانية العكسية اختراق مناطق قوات المعارضة من خلال خاصرة مخيم درعا، وشنت عدة حملات اقتحامية عنيفة شهدت مقتل عدد من قيادات الفرقة الرابعة وحزب الله، وعدد من قياديي الجيش الحر في المقابل، دون أن تنجح في تغيير مواقع السيطرة، خاصة بسبب الطابع العشائري والمناطقي للتشكيلات  في الجنوب والتي يقود غالبها ضباط منشقون، وهي حالة مختلفة عن الشمال.

في 17 حزيران بدأت هدنة لمدة 48 ساعة باتفاق أردني روسي أمريكي، ثم 24 ساعة لاحقاً، لتعود الحملة بشكل أعنف ومشاركة مكثفة من الطيران الروسي، بعد إسقاط القوات الأمريكية طائرة مقاتلة للنظام قرب الطبقة، ما كان أشبه بردة فعل روسية انتقامية وإعلان نقض للاتفاق، وتجددت الحملة على مخيم درعا وتسللت قوة من النظام إلى كتيبة الدفاع الجوي قرب الطريق الحربي (الواصل بين ريف درعا الشرقي والغربي) ولكن تمكنت البنيان المرصوص من استعادتها سريعاً مع خسائر متراكمة للنظام وحلفائه، وحافظت خريطة السيطرة على ثباتها حتى كتابة المقال.
رغم أن درعا مشمولة ضمن اتفاقية مناطق خفض التصعيد (أيار/مايو 2017)، ورغم التركيز العربي والأمريكي الرسمي على تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا، إلا أن ذلك لم يمنع من الحملة الروسية الإيرانية المشتركة على مدينة درعا، بهدف وصول الميليشيات المدعومة إيرانياً إلى الحدود الأردنية ، كما وصلت إلى الحدود السورية العراقية من جهتي الحدود عبر البادية، وكذلك فرضت سيطرتها على القلمون الغربي المحاذي للحدود اللبنانية بعد سلسلة طويلة من المعارك واتفاقيات التهجير، فيما يمكن اعتباره “معركة المعابر” بالنسبة إلى إيران، لقطع الطريق على مشروع المناطق الآمنة الذي كان مطروحاً من قبل إدارة ترامب، ولتأمين خط إمداد ممتد من طهران حتى الضاحية الجنوبية، وتحجيم المشروع الأمريكي أيضاً.

أما بالنسبة إلى درعا، والتي كانت مطروحة ضمن نقاشات المناطق الآمنة أيضاً، فتهدف طهران لفرض وجودها كأمر واقع على الأردن والمشروع الأمريكي في سوريا (إن وجد)، كما تعتبرها فرصة لعزل مناطق درعا والسيطرة التدريجية على أهم المعاقل المتبقية للجيش الحر وأكثرها رمزية، وإعادة الشرعية للأسد، والاقتراب من مرتفعات الجولان.

بالنسبة للأردن، يثير دخول الميليشيات الشيعية على خط المعركة وتحول مستوى القصف مخاوف عديدة، أمنية وسياسية واقتصادية، فقد سبق لعمّان التصريح برفض وجود ميليشيات طائفية على حدوده، في إشارة إلى إيران، كما يتخوف الأردن من موجة نزوح كبيرة باتجاهه، وهو ما دفعه لزيادة الدعم الموجه إلى ثوار درعا، دون تحول نوعي، وإلى الضغط الديبلوماسي لإتمام اتفاقيات الهدنة ووقف الحملة على المدينة، ولكن مع إلغاء إمكانية تدخله البري –على غرار درع الفرات في الشمال- ودون أن يلغي ذلك تخوفه من احتمالية التقدم الإيراني نحو حدوده وخياراته البديلة، والتي قد تتضمن قبول وجود الأسد في معبر درعا أو نصيب الحدودي مقابل ابتعاد إيران، وهو ما قد يفقده حلفاءه ومنطقة نفوذه –شبه الوحيدة- في الجنوب السوري إن حصل.

وتطرح معركة درعا تهديداً يُعتبر الأخطر على استمرارية العملية السياسية، بالنسبة لمسار جنيف والأستانة، وعلى الخيارات المستقبلية للمعارضة، بسبب شعور قوى الثورة بلا جدوى هذه المسارات ولا مصداقية الاتفاقيات مع روسيا والتي شهدت –منذ أستانة الأول- خسارة وتهجير العديد من المناطق في ريف دمشق وحمص، مع استمرارية محاولات اقتحام الغوطة الشرقية، والمعركة الكبرى على درعا اليوم، وهي جميعاً تتم بشراكة روسية إيرانية، إضافة إلى التمدد الأخير في البادية ومحاولة قطع الطريق على أي تماس بين قوى الجيش الحر وتنظيم داعش لاحتكار “الحرب ضد الإرهاب” ومنع تقدم قوات المعارضة نحو دير الزور، ولذلك يخيم شعور لدى قوى الثورة السياسية والعسكرية وحواضنها الشعبية أنها أصبحت خاسرة على كل الصعد عبر هذه المسارات في مقابل تمدد المشروع الإيراني المستمر، ودون استراتيجية أمريكية وعربية واضحة وجدية لمواجهته، وأن اتفاق خفض التصعيد كان أشبه بتحييد القوى العسكرية في الشمال ريثما تنجز المهمة في الجنوب، إضافة إلى الضغوط الشعبية وتهديد الشرعية الذي يواجهها فيما لو استمرت بالمسار السياسي مع التراجع المستمر على الأرض.

خلاصة القول، إن نتائج معركة درعا الراهنة ستكون نقطة تحول في مسارات القضية السورية وخارطة المنطقة، حيث تهدف إيران إلى فرض وجودها كأمر واقع عبر مثلث سيطرة وخطوط إمداد ما بين الحدود العراقية واللبنانية والأردنية يقوده حزب الله اللبناني، كما تهدف إيران مع روسيا ونظام الأسد إلى السيطرة على أهم معاقل الجيش الحر وأول الحواضن الاجتماعية للثورة السورية وأكثرها رمزية، ما يعتقدون أنه سيفرض رؤيتهم للحلّ في سوريا لصالح النظام وينهي مشروع المناطق الآمنة ويحجّم النفوذ الأمريكي، بينما يعتبر ثوار درعا أنهم يواجهون معركة وجود بسبب رمزية مدينتهم الثورية وبسبب طبيعة المجتمع المحلي الرافضة بعمق لنظام الأسد والوجود الإيراني باعتباره أول حواضن الانتفاضة الشعبية، وهو ما يثير مخاوف لديهم بحصول مجازر وانتهاكات بالجملة في حال دخول الميليشيات الشيعية وقوات النظام، وهذا يمنح المعركة قدرة على تغيير خيارات قوى الثورة وتقبلها للعملية السياسية أو قناعتها بجدية حلفائها الإقليميين والدوليين في دعمها، وهي القناعة التي يهددها التمدد والتقدم المستمر للمشروع الإيراني وحلفاء النظام على الأرض.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s